حداثة و ديمقراطية

عن العقلانية والديمقراطية والحداثة.

تقوم الديمقراطية على مبادئ أساسية كالفصل بين السلطات، وإقرار التعددية السياسية، والمساواة أمام القانون، لكنها يبقى جوهرها الأساسي ضمان الحرية والعدالة، لأنهما القيمتان اللتان تجسدان حقوق الإنسان، إلا أن السياسة لا تحكمها في جميع الأحوال تلك المقومات الديمقراطية فحسب، بل قد تحكمها المصالح والأوضاع على الأرض أيضاً. فالسلطة قد ترى في الأوضاع الاستثنائية ضرورة اتخاذ مواقف لا تتوافق مع توجهات ورغبات الرأي العام.

ونتذكر هنا أن عدداً من الدول الغربية الديمقراطية-وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا – قد اتخذتا قراراً بشن الحرب على العراق واحتلاله، من دون أن تحظيا بموافقة الشعوب أو المؤسسات التمثيلية، حيث كانت المظاهرات المليونية تجوب شوارع لندن ومدريد ونيويورك وواشنطن، لتعلن أنها ضد الحرب والعدوان، ومع ذلك حدثت تلك الحرب غير المشروعة وغير المؤسسة على القيم الديمقراطية أو الشرعية الدولية.

ومع ذلك، وبغض النظر عن تلك الأحوال الاستثنائية التي قد يتم خلالها القفز على القواعد، فإن الديمقراطية تظل هي الأساس في حياة الشعوب الحية، وذلك لأن النظام الديمقراطي يبقى خير كفيل للحقوق والحريات والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، واستخدام الثروة الوطنية بشكل رشيد لفائدة المجتمع. وبهذا المعنى تجسّد الدولة خيارات العقل الكبرى. لأن العقلانية في السياسة تبقى هي إحلال للعقل في الحياة العامّة وفي إدارة المؤسّسات والحياة الجماعية، من خلال التقيد بالقانون. لأن الدولة هي أعلى الأجهزة العقلانية، وهي من يضطلع بتأمين الشروط العامّة لممارسة العقل في الحياة الجماعية، وتعزيز دور المؤسسات التي تتفرّع عنها لتأمين ممارسة الحكم الرّشيد، وفق منظومة القيم التي يتبناها المجتمع، وهذا ما تؤكده أغلب الدساتير في العالم.

وإذن، فإن بين العقلانية والديمقراطية ارتباطا وثيقا، فلا حكم رشيد من دون دستور وقانون، ومن دون ثقة في النظام العقلاني الذي يجعل الدولة تتكفّل بحماية الحرّيات وفق القوانين الضابطة للحياة الجماعية. ولا شك أنّ تعريفا بهذا المعنى للدولة ولجهازها العقلاني، يتوافق مع طبيعة المجتمعات الحديثة «مجتمعات العقد» حيث أصبحت العلاقات الاجتماعية تنهض على ميثاق الثقة، عندما يضع الجميع ثقتهم في المؤسسات التابعة للدولة التي يسيرها النظام العقلاني الديمقراطي الذي ينهض على الحرية والمواطنة المتساوية والمساءلة وحق الاختلاف. إلا أن هذه الديمقراطية – وفي جميع الأحوال- لا يمكن أن تنبت عن الحداثة، بكل متطلباتها، والتي اقتصرت في أغلب البلاد العربية على التمدن المادي المظهري السطحي الذي لا يمس الفكر ولا الرؤية، لأن الذي يحدث في الواقع هو التمسك بالبني الاجتماعية ما قبل الدولة، والإعلاء من شأنها لتبقى مهيمنة على حياة الفرد ومصيره.

لكمال الذيب

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate