محلية

استنساخ النظام السوري… ابتزاز وتعذيب وقتل في مراكز الجيش الوطني . “شهد شاهد من اهلها”

يكشف تحقيق “للعربي الجديد” و هي صحيفة تتبنى وجهة نظر قريبة من المعارضة الراعية لما يسمى الجيش الوطني ،عن انتهاكات متنوعة تمارسها قوات الشرطة العسكرية، التابعة لميليشيا لجيش الوطني، أحد تشكيلات “المعارضة السورية:، إذ يُبتَزّ الموقوفون ويُعذَّبون بأساليب النظام التي تُستنسَخ في مناطق المعارضة.

– احتُجز الأربعيني السوري موسى الرجب شهراً داخل سجن يتبع الشرطة العسكرية في بلدة جنديرس بريف حلب الشمالي، الخاضعة لسيطرة الجيش الوطني السوري (قوة عسكرية أنشاتها الحكومة المؤقتة ضمن هيكل المعارضة في الشمال السوري)، بعد اتهامه بتهريب المسافرين بشكل غير شرعي إلى تركيا.

ولم يكن الرجب بمفرده داخل محبسه، إذ كان معه 24 شخصاً آخرين، معظمهم نُسبت إليهم ذات التهمة، وطُلب منهم دفع مبالغ مالية لا تقلّ عن 2500 دولار أميركي من أجل الإفراج عنهم. ويوضح الرجب الذي يعمل سائقاً، أن معاناته بدأت بعد إيصاله زبوناً في يناير/كانون الثاني 2024 من بلدة أطمة التابعة لناحية الدانا في محافظة إدلب شمال غربيّ سورية، إلى بلدة جنديرس بريف حلب الشمالي، في مقابل 200 ليرة تركية (ستة دولارات)، لم يكن يتوقع أنها ستودي به إلى السجن والابتزاز.

والسائق السوري واحد من بين ثمانية أشخاص وثّق “العربي الجديد” إفاداتهم، أربعة منهم سائقو سيارات أجرة واجهوا تهمة تهريب المسافرين بشكل غير شرعي من تركيا إلى سورية، والعكس، وأربعة آخرون رُحِّلوا من تركيا، واعتُقلوا بتهمة عبور الحدود، وتعرضوا لانتهاكات جسدية ونفسية في سجون الشرطة العسكرية.

الاحتجاز أداة ابتزاز الضحايا وذويهم

احتجز 579 شخصاً بنحو تعسفي على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سورية، من بينهم 108 أشخاص اعتقلهم الجيش الوطني، وفق ما وثقته الشبكة السورية لحقوق الإنسان (غير حكومية) في تقاريرها الشهرية الصادرة بين يناير/كانون الثاني، ومارس/آذار لعام 2024.

ويُجمع الضحايا ممن احتُجزوا لدى الشرطة العسكرية على أنهم واجهوا تهماً معدّة مسبقاً هدفها الابتزاز المالي، ومن بينهم التاجر الثلاثيني محمد الأحمد، المقيم في مدينة سرمدا في محافظة إدلب، الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام، والذي أُوقِف على حاجز ناحية جنديرس بينما كان في طريقه إلى البلدة من أجل جلب أقربائه المرحَّلين من تركيا، واتُّهم بالتهريب، وسُجن ثلاثة أشهر قبل أن يدفع مبلغ 2500 دولار أميركي، ثم حُوِّل إلى القضاء الذي برأه وأمر بإطلاق سراحه، كما روى لـ”العربي الجديد”.

579 محتجزاً تعسفياً على يد أطراف النزاع خلال ثلاثة أشهر

وعلى ذات الحاجز، اعتقلت الشرطة العسكرية الحسن الصبح، النازح المقيم في مخيمات دير حسان بريف إدلب، في أثناء توجهه لاستدانة مبلغ مالي من قريبه لإدخال والدته المريضة إلى المستشفى، واحتُجِز ثلاثة أشهر بتهمة تهريب المسافرين بشكل غير شرعي، وغُرِّم 2500 دولار أميركي، ما اضطره إلى بيع كل ما يملكه من أجل تأمين المبلغ.

ويُعرَض المحتجز على القاضي شكلياً بعد دفع مبلغ الغرامة، وليس قبلها، كما حدث مع صدام أحمد بريمو، النازح من جبل أكراد الساحل والمقيم في إدلب، والذي احتجزته الشرطة العسكرية على معبر الغزاوية الفاصل بين مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام والجيش الوطني، واقتيد إلى مركز يتبع قوات الشرطة العسكرية في جنديرس، وخلال حديثه لـ”العربي الجديد” أكد بريمو أنه لم يكن بصحبته أي ركاب لدى القبض عليه، بل قصد مناطق الجيش الوطني لتعبئة سيارته بالمازوت، كونه أقل سعراً، وفق روايته، مؤكداً دفع مبلغ 2500 دولار أميركي من أجل العرض على القاضي، “وكان أمراً هزلياً فقط”، كما يصفه، إذ بينما يصدر القاضي حكم البراءة، إلا أن رئيس الفرع هو من يبرئ ويجرم ومن يحدد الغرامة ويقبضها قبل أن يصل المتهم إلى القضاء ويُخلى سبيله، كما يؤكد الضحايا.

وتُعَدّ عمليات التوقيف تلك أداة ابتزاز مالي للضحايا وذويهم، حتى يُفرَج عنهم، كما يصفها فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قائلاً: “هذه ممارسات مستنسخة من النظام السوري”، مؤكداً لـ”العربي الجديد” أن هذه الاعتقالات التعسفية تحصل دون مذكرة اعتقال واضحة ومحددة، والمعتقل لا يخضع لمحاكمة عادلة في ظل تغييب السلطة القضائية.

ولا يوجد قانون يسمح للشرطة العسكرية، ومثلها المجلس المحلي في مدينة جرابلس في محافظة حلب، بفرض غرامات مالية على المواطنين، وإنما تنحصر مهام الشرطة العسكرية بكتابة ضبط (محضر) وإحالته إلى المحكمة، بحسب توضيح عضو نقابة المحامين الأحرار فرع حلب المحامي أحمد مزنوق، الذي أكّد أن الشرطة العسكرية تمارس انتهاكات بحق المدنيين لدى القبض عليهم بتهمة التهريب من وإلى تركيا على الحواجز وفي الطرقات العامة بعيداً عن المناطق الخاصة أو المشتبه فيها بعمليات التهريب، مضيفا أن العبور ودخول البلاد بطريقة غير مشروعة يُدرج ضمن جرم الاتجار بالبشر، ويعاقب استناداً إلى المرسوم التشريعي رقم 3 لعام 2010 المتعلق بجرائم الاتجار بالأشخاص، ولكن يجرى ضمن حكم قضائي ولا تقوم السلطة التنفيذية الممثلة بالشرطة العسكرية بتولي المهمة بتجريم أشخاص لا علاقة لهم ربما بالتهريب وفرض الغرامات وفق أهوائها وتوجيهها إلى خزينتها، “كما تفعل الآن”.

شبح وتعذيب وقتل

تعرّض الرجب أثناء التحقيق في مركز الاحتجاز للضرب والتعذيب باستخدام “الدولاب”، وهو وسيلة تعذيب يستخدمها النظام السوري في سجونه (تُقيَّد يدا المعتقل إلى رجليه ليصبح مثل دولاب السيارة، وبعد ذلك تبدأ عملية الضرب على أنحاء مختلفة من جسده)، ويستذكر الرجب بألم ما مرّ به، قائلاً بعدما أطلق من صدره زفرة حارة: “رضخت تحت وطأة التعذيب وشعوري بالضعف وتورم أطرافي وقبلت التهمة المنسوبة إلي، عرضوا علي فيديوهات مفبركة يزعمون من خلالها أنني تواصلت مع أشخاص ينوون الدخول إلى تركيا تهريباً، وأُرغمتُ على دفع الغرامة التي جمعها أهلي مقابل إطلاق سراحي”.

تجبر الشرطة العسكرية المحتجزين على دفع غرامات قبل عرضهم على القضاء

وقد يفضي التعذيب الشديد في سجون الجيش الوطني إلى وفاة المعتقلين، ومنهم الثلاثيني إبراهيم وليد كزلو، الذي تلقت عائلته بلاغاً من أحد عناصر الشرطة العسكرية يخبرهم فيه بوفاة ابنهم بتاريخ 28 يناير/كانون الثاني 2024، بحسب أهل الفقيد الذين أكدوا لـ”العربي الجديد” حصولهم على تقرير طبي عند مراجعتهم المستشفى الوطني في مدينة إعزاز شمال غرب حلب، حيث توجد الجثة، يُفيد بوفاته بأزمة قلبية قبل وصوله إلى المستشفى، ثم سلَّمتهم إدارة المستشفى جثمانه ليواروه التراب دون أن يجدوا سبيلاً لمحاكمة قاتليه.

وعمل كزلو سائق سيارة نقل للركاب في مدينة إعزاز، واعتقله عناصر تابعة للجيش الوطني في نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2023، في قرية تليل الشام بريف محافظة حلب الشمالي قرب الحدود السورية التركية، بتهمة نقل ركاب باتجاه الحدود التركية للعبور بطريقة غير رسمية، واحتجز في مركز للشرطة العسكرية في إعزاز حيث يعيش.

“وكان من المفترض محاكمته، بدلاً من احتجازه وتعذيبه وقتله فيما بعد”، كما يقول الحقوقي عبد الغني، الذي تابع قضية كزلو، قائلاً لـ”العربي الجديد” إن الشبكة لديها معلومات تؤكد أنّ إبراهيم كان بصحةٍ جيدة عند اعتقاله، ما يرجح بشكلٍ كبير وفاته بسبب التعذيب وإهمال الرعاية الصحية داخل مركز الاحتجاز.

ووصفت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل كزلو في بيان صدر عنها عقب الوفاة بأنها حادثة “همجية”، وكذلك ممارسات الخطف والتعذيب التي يقوم بها مسلحون تابعون للشرطة العسكرية أو للجيش الوطني، مطالبة بفتح تحقيق فوري مستقل في جميع حوادث الخطف والتعذيب التي وقعت، ومحاسبة المتورطين فيها وإطلاع المجتمع السوري على نتائج التحقيق والمحاسبة، وعدم اتباع سياسة النظام السوري وروسيا في إنكار وقوع الانتهاكات، وبالتالي عدم محاسبة أي عنصر أمن أو ضابط أو شبيح على مدى عشر سنوات.

ويؤكد عبد الغني على أن ممارسات التعذيب وإهمال الرعاية الصحية شائعة في مراكز الاحتجاز التابعة لفصائل قوات الجيش الوطني، بما في ذلك الشرطة العسكرية، مشيرا إلى تسجيل الشبكة مقتل ما لا يقلّ عن 58 شخصاً، بينهم طفل وسيدتان، داخل مراكز الاحتجاز التابعة لفصائل المعارضة المسلحة بما فيها الجيش الوطني، وذلك منذ مطلع عام 2012 حتى مارس 2024.

فرض غرامات حسب الأهواء

احتجزت الشرطة العسكرية السورية العشريني عمر مصطفى بعدما رحلته السلطات التركية عبر معبر جرابلس الحدودي مع تركيا الواقع في ريف حلب الشرقي، في أكتوبر/تشرين الأول عام 2023، ليجبر على دفع غرامة بقيمة 1000 ليرة تركية (30 دولاراً)، بدعوى أنها للمجلس المحلي لمدينة جرابلس، دون منحه أي إشعار بالدفع.

غياب المحاسبة والعدالة في مناطق الجيش الوطني تسبب في فوضى أمنية (العربي الجديد)

ومع تزايد عمليات الترحيل التي تنفذها السلطات التركية بحق اللاجئين السوريين، أصدر المجلس المحلي لمدينة جرابلس في أكتوبر/تشرين الأول 2023 قراراً بزيادة قيمة الغرامات المالية على من يحاولون عبور الحدود بشكل غير شرعي من تركيا وإليها، وينصّ القرار على “فرض غرامة بقيمة 3 آلاف ليرة تركية (92 دولاراً أميركياً) على كل شخص يحاول الدخول بشكل “غير شرعي” من تركيا إلى سورية بدلاً من 200 ليرة تركية (6 دولارات) كانت في السابق، و5 آلاف ليرة تركية (154 دولاراً) على العبور من سورية إلى تركيا، وكذلك فُرض مبلغ 60 ألف ليرة تركية (1852 دولاراً) على الشخص الوسيط (المهرب) الذي يساعد في عملية التهريب بدلاً من 400 ليرة تركية (12 دولاراً)، ومبلغ 30 ألف ليرة تركية (926 دولاراً) على أصحاب السيارات التي تشارك عمليات التهريب بدلاً من 2000 ليرة تركية (61 دولاراً)، وهو قرار يفتقر إلى أي أساس قانوني، كما يصفه المحامي مزنوق، موضحاً أنه لا يحق لأي جهة فرض عقوبات وغرامات جديدة لم ينصّ عليها قانون العقوبات رقم 148 لعام 1949، إذ يفترض أن تطبق مناطق سيطرة الجيش الوطني القانون العربي السوري بمرجعية دستور عام 1950، ويتابع قائلاً إن السلطة الوحيدة التي يحق لها فرض العقوبات والغرامات، هي السلطة التشريعية، وهي غير موجودة في مناطق الجيش الوطني، كذلك إن الأموال الناتجة من هذه الغرامات يفترض أن تذهب إلى الخزينة العامة، وليس المجلس المحلي لجرابلس، الذي يمتلك صلاحيات خدمية فقط وليست تشريعية، والأولى به إيجاد حلّ قانوني للاعتداءات التي تحصل على الشريط الحدودي وملاحقة المجرمين الذين يعتدون على مواطنيه.

حق الرد

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 719 حالة اعتقال، بينها 56 سيدة و23 طفلاً، قامت بها عناصر الشرطة العسكرية التابعة للجيش الوطني، وأفرج عن 256 حالة وبقي في سجونه 463 آخرون، تحوَّل 118 منهم إلى حالة اختفاء قسري، منذ مطلع عام 2018 حتى مارس/آذار 2024، وفق تأكيد عبد الغني.

ويشي غياب المحاسبة والعدالة في مناطق الجيش الوطني بانتشار فوضى أمنية ووقوع انتهاكات في المناطق الخارجة عن حكم النظام السوري، والذي أُسِّس عبر تلك الممارسات الإجرامية، حسب الحقوقي عبد الغني، الذي يحمّل فصائل الجيش الوطني وقياداته والسلطة السياسية، ولا سيما حكومة الائتلاف والحكومة السورية المؤقتة المسؤولة عن الجيش الوطني، مسؤولية الانتهاكات التي يعاني منها المواطنون، داعياً إلى التحقيق فيها وكشف الفاعلين ومحاسبتهم وتقديم الاعتذار والتعويضات للمتضررين وذوي الضحايا.

وتواصل معدا التحقيق مع رئيس المجلس المحلي لمدينة جرابلس محمد العبو عبر تطبيق “واتساب” للحصول على تعليق على ما وثقه التحقيق من انتهاكات الشرطة العسكرية، والسؤال عن قانونية فرض الغرامات، لكنه أحجم عن الرد، بينما لم ينكر قيادي في الجيش الوطني (فضل عدم ذكر اسمه لأنه غير مخول بالتحدث للإعلام)، أن قرار المجلس المحلي في جرابلس يتماشى مع المساعي التركية الهادفة إلى الحد من تدفق اللاجئين بالتعاون مع الإدارات المحلية في المنطقة وقيادات الشرطة المدنية والعسكرية، التي أسست فرقة متخصصة لحراسة الحدود، وكثفت من انتشارها على خط الحدود بين البلدين، مؤكداً وجود سجن في بلبل بعفرين في ريف حلب، لتنفيذ تلك القرارات ودفع الغرامات.

ورد قائد الشرطة العسكرية في جنديرس إبراهيم الجاسم بعد مواجهته بما يوثقه التحقيق، بأنهم ليس لديهم سجن وإنما نظارة توقيف مؤقتة، مضيفاً: “قد يكون هناك خلط بين دائرة القضاء العسكري، والشرطة العسكرية، أو بين القضاء المدني والشرطة المدنية مع الشرطة العسكرية”، ونفى أن يكون لدى الشرطة العسكرية أي تدخل بالحدود والعبور غير الشرعي. بينما اعتذر ياسر الحجي مدير العلاقات العامة في الحكومة السورية المؤقتة، عن التعليق على الموضوع بدعوى أن هذا الموضوع ليس من اختصاصه.

ويحظر القانون الدولي بشكلٍ قاطع التعذيب وغيره من ضروب المُعاملة القاسية وغير الإنسانية أو المُذلة، ويُعتبر انتهاك حظر التعذيب جريمة في القانون الجنائي الدولي، ويتحمّل الأشخاص الذين أصدروا الأوامر بالتعذيب أو ساعدوا في حدوثه المسؤولية الجنائية عن مثل هذه الممارسات، كما يقول المحامي عبد الغني، مؤكدا على أهمية فتح تحقيقات للكشف عن المتورطين في تلك الممارسات، خاصة قضايا القتل تحت التعذيب.

عن العربي الجديد بتصرف

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate