حداثة و ديمقراطية

ماذا جنينا من التدين السياسي؟!

لعل القول بأن أكثر الملمات والأوجاع التي تداهم الشعوب العربية ناتجة في الأساس عن سوء القراءات للأحداث والحوادث التاريخية التي تشهدها مجتمعاتهم، وعن عدم دقة هذه القراءات القائمة على مرتكزات عاطفية تخادع الواقع، لتكون النتيجة مخادعة الواقع لها، هو قول صحيح وله في الواقع المحلي والعربي ما يسنده. لذا فإن القراءة الدقيقة والحصيفة للمعطيات التاريخية، ولكل السلوكات البشرية التي قد نتفق معها والتي قد لا نتفق، هي تلك التي لا تتجاوز الزمان ولا تتجاهل المكان ولا تغفل ترابطهما وتداخلهما في اللحظة المتناولة. وتستمد هذه القراءة علمية نواتجها، ولا أقول صحتها، من الظروف المحيطة بهما، ذلك هو ما يجب أن نعيه بتبصر وحذاقة للبناء على المتراكِم الإنساني العظيم ولخلق بيئة صحية يتعايش فيها كل البشر بسلام ووئام على هذا الكوكب الذي يحتضننا جميعا. غير أن السؤال الذي يبقى فارضا نفسه بإلحاح في السياق هو: «هل أن خلق البيئة المطلوبة والصالحة للعيش معا أمر سهل؟» شخصيا لا أظن أن إجابة فورية ستكون جاهزة، لأن ذلك يتطلب إعادة النظر في بنية الأفكار، ومنظومة القيم المجتمعية التي ينبغي أن تضع الفواصل والقواطع بين المعاملات وبين العبادات، وفي الوسط منها مساحة التسامح المتوافرة لممارسة ذلك، بحيث يجب أن تتسم العلاقات فيما بين البشر بالشفافية والاحترام المتبادل بمعزل عن الانتماءات الدينية والمذهبية والعقائدية وتوظيفاتها السياسية. إن ذلك في ظني، لن يكون ممكنا إلا بتوفر شروط تعد في نظري من ثوابت المجتمع ومن أبرزها تنامي ثقافة حقوق الإنسان وقبول العيش في مجتمع متسامح وإشاعة الديمقراطية. لكن هناك سؤال آخر، غير بريء، تفصح الإجابة عنه عن موقف ثابت من الديمقراطية ومن حقوق الإنسان، والسؤال مفاده: هل يتقبل المجتمع وهو تحت التأثير المباشر لقوى الإسلام السياسي وسطوته ما ينتج عن العمل وفق مبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية؟ ولعل الإجابة، في يقيني، ليس بلا النافية فحسب، وإنما بلا المسفهة أيضا لكل من يحمل لواء هاتين القيمتين كما هو معمول بهما في دول العالم الأخرى. ولهذا فإن المراوحة في المكان ستبقى كما هي سرا مبهما يشل الحركة، وعاملا يفسر تعثرا، حتى لا أقول فشلا، الفعل السياسي ومن ورائه القيادات في الحكومات العربية، حتى في تلك التي أفرزها «الربيع العربي»، في تبني الديمقراطية منهجا لإدارة مصالح البشر، والأخذ بمبادئ حقوق الإنسان والمواطنة روافعا لتعميم العدل والمساواة بين أبناء الوطن الواحد. إن الواقع المرير الذي تحترق مجتمعاتنا العربية باشتعالاته وتفجراته يقضي بتدخل العقل لتخفيف حدة التدين السياسي لمصلحة القيم المجتمعية المشتركة. لقد بات هذا التدين السياسي يشكل تهديدا للمسعى الوطني لتشكيل دولة المواطنة وحقوق الإنسان التي تشكل هي أيضا نزوعا إنسانيا عاما على مستوى العالم. إذ أن، أي التدين السياسي، وبتدخله الفض في كافة مناحي الحياة وأنساقها من خلال منع هذا وتحريم ذاك يسيء إلى العلاقات الإنسانية بين بني البشر المختلفين في قناعاتهم ومعتقداتهم. ولكي تعرف سبب التطاحن والحروب الأهلية وعدم الاستقرار على مدى التاريخ فابحث عن الناشطين السياسيين المتدينين، إنهم جرثومة تفتك بالأمن وآفة تنخر السلام الاجتماعي. ويمكننا هنا أن نجري مقارنة خاطفة بين بلدان مثل قطر أو الإمارات العربية المتحدة وبين بلدان مثل البحرين أو الكويت في مستوى سلاسة الانتقال التنموي من مشروع إلى آخر ودون الاصطدام بعراقيل، لنجد أن الإسلام السياسي يقف بالمرصاد لأغلب المشاريع التنموية ويبقرها ويقبرها في المهد بدعاوى مختلفة يعود معظمها إلى القراءة المختلفة للنص الديني. لا محيص هنا من أن تكون الديمقراطية أساسا للتعامل في البيت والمدرسة وفي مؤسسات الدولة ودوائرها. كما أن الفصل بين ما هو ديني وما هو سياسي أمر ضروري ومطلوب لتيسير مهمة صناع القرار السياسي، ولإتاحة الفرصة لهم لممارسة العمل السياسي بوصفه شأنا متحركا ودون الوقوف عند مثبطات الشأن الديني بصفته الثابتة، وترك ممارسة الشعائر الدينية وطقوسها بالمطلق محصورة في زاوية العلاقة بين العبد وربه مع الحرص على عدم المساس بحرية المعتقد.

ذلك أن الفصل ووضع الحدود بين هذه المفاهيم، على صعيد التطبيق، والعيش بمنأى عن مهاترات الأفضلية الحضارية أو العرقية، وأسبقية الفهم لمبهمات تجليات الطبيعة واحتكارها، من وجهة نظري، تعطي كلها فرصا أكثر لإمكانية التعايش وتدفع إلى الأمام وتجعل الطوائف تقبل بعضها البعض في المجتمع الواحد، كما تعمل على التقارب بين الأمم عبر فتح نوافذ التحاور البناء فيما بينها لمزيد من التداخل والتفاعل والتبادل والتراشح الحضاري. إلى جانب ما تقدم، يلزمنا هنا التأكيد على أن يتوازى العمل السياسي مع عمل آخر من جنسه في المجال التربوي ويكمن في بث مفاهيم حقوق الإنسان والمواطنة في صلب المناهج الدراسية، وتدريس التاريخ الوطني وأمجاده لكي يكون عاكسا كل المساهمات الوطنية وإشعاعاتها القيمة بحيث يقرأ الطفل تاريخه الوطني ويستشعر فيه مساهمات أهله وذويه وكافة أطياف النسيج الاجتماعي من دون أن يغفل أحدا. ولا يجب أن يكون التركيز منصبا على الجوانب المعرفية وحدها، بل على التربية التي من شأنها أن تحسن السلوك وتعلي من التوقعات في حب الحياة عند الناس جميعا، وقبول الآخر المختلف في الأطر الوطنية كما في الفضاء العالمي، وعزل من يسعون إلى طلب الموت المجاني لهم ولغيرهم.

لعثمان الماجد.

الأيام-موقع حزب الحداثة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate