اصلاح ديني

حوار عن عداء المؤسّسة الدينية لأفكار الإصلاح نابع من حرصها على سلطتها الروحيّة

مع التطورات السياسية الحادثة في المنطقة العربية، والمدّ الجهادي، تظل الأولوية المطروحة للتفكير والنقاش على المستوىين المحلي والدولي، لقضايا الإصلاح الديني، وتجديد الخطاب، خاصّة في ظلّ ضعف المنتج الديني الذي يتم تقديمه في الداخل، كذلك الفوبيا من الإسلام التي تتزايد في دول الغرب، في ظل استهداف الخلايا الجهادية لها، كما حدث في عدة دول أوروبيّة، وبالتوازي يتصاعد نفوذ اليمين المسيحي سياسيًّا بصورة تنعكس تداعياتها سلبًا على مسلمي أوروبا من المواطنين والمقيمين.

وحول هذه القضايا يدور نقاشنا مع الدكتور عاصم حفني؛ أستاذ في كلية اللغات والترجمة في جامعة الأزهر، ومستشار أكاديمي في جامعة “ماربوغ”، وأستاذ مساعد في الدراسات العربية والإسلامية بمركز الدراسات الشرق أوسطية؛ حيث يقوم بتدريس علوم الإسلام واللغة العربية وآدابها. درس الدكتوراه في جامعة “لايبتسج” بشرق ألمانيا في 2010م، وكانت أطروحته بعنوان: “المصطلح الديني السياسي وفهم المسلمين للسلطة: مفكّرون مصريون كمثال”.

ومن أبرز أعماله الفكرية: “الإسلام والسلطة” (2014) بالألمانية، “الدولة في الإسلام”، “العلاقة بين الحرية والتعددية في الإسلام”، “الحرية في الإسلام”، “الردّة بين حرّية العقيدة والخروج على الجماعة”، “تعارف الحضارات والمنظومات القيمية”، وغيرها من الكتابات العلمية.

نصّ الحوار:

“الإصلاح الديني بين الشرق والغرب”

منذ بدايات القرن التاسع عشر وإلى اليوم وسؤال الإصلاح الديني يتردّد عبر أزمنة مختلفة بنفس منطقلات الروّاد، ما هي أبرز الأزمات التي أعاقت مشروعات الإصلاح عبر أكثر من قرن في ظلّ تراكم الكثير من التجارب والأفكار والمشروعات المقترحة؟

عاصم حفني: ظلّت مشروعات الإصلاح الديني تدور في مسارات فردية، دون توجيه من قِبَل الدولة، وغالبًا ما كانت هذه الدعوات تتصادم مع النظام سواء كان النظام الحاكم أجنبيًّا، كالاحتلال الإنجليزي، أو الدولة العليّة من أولاد وأحفاد محمد علي. ولفهم أزمة الإصلاح؛ ننظر إلى عهد محمد فنجده رغم النهضة التي قام بها، لم يهتم بالإصلاح الديني للمجتمع بهدف تنوير العقل العربي وربطه تنويريًا بأوروبا؛ بل كان اهتمامه عسكريًّا وسياسيًّا، وكل مماراساته تهدف إلى دعم هذا التوجه، حيث حرص على الربط مع أوربا في العلوم الطبيعية والعسكرية بصورة أكثر، حتى (رفاعة الطهطاوي) لم يكن سوى أحد المرافقين للبعثة المصرية في فرنسا من أجل الحفاظ على النواحي الدينية للمبتعثين.

واستمرت هذه المحاولات فردية سواء مع الأفغاني عندما جاء من الخارج، ثم تلميذه محمد عبده، لينحسر الإصلاح وقت محمد رشيد رضا نتيجة سقوط الخلافة، والخوف على الهوية الإسلامية، ونتيجة غياب الإرادة الحقيقية لإقامة دولة متحضّرة. تعسّرت كل هذه المحاولات، فلم تظهر حركات من أسفل تدفع الدولة والمجتمع نحو إصلاح حقيقي؛ فالحركات الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست عام 1928، لم يكن الهدف منها الإصلاح التنويري؛ بل اقتصر الإصلاح على فهم معيّن للدين يخلق تصوّرًا مُعيّنًا يوصلها للحكم.

ارتبط الإصلاح الديني في الغرب بمؤسساته الدينية؛ أي إنّ الإصلاح تمّ في إطار الكنيسة، وعندما ظهرت فكرة الإصلاح الديني في مصر في القرن التاسع عشر، اتّسمت بطابع تمرّدي، ودعا روّادها إلى إصلاح الداخل المؤسسي أوّلًا، لتظلّ الجدليّة الآتية قائمة: هل يبدأ الإصلاح من داخل المؤسسة الدينية، أم من خارجها؟ كيف ترى هذه الإشكالية؟

عاصم حفني: تاريخيًّا نجد؛ أنّ الكنيسة قامت بالإصلاح الديني اضطرارًا في أوروبا، وبداية الإصلاح كانت ثورة مارتن لوثر، وقد كانت ثورة على الكنيسة التي كانت تتمتع بسلطة مادية وروحية، وكان لديها مُمتلكات مُتعددة، تتشابه مع وضع الأوقاف في مصر؛ لذا ثار “مارتن لوثر” مُستهدفًا نزع القداسة عن المؤسسة، وإبعاد سلطة تفسير النص عن رقابتها أيضًا، ممّا يعني، فقدان الكنيسة لأدوات سيطرتها على المجتمع. وهذا ما تمّ بالفعل، وهنا أِشير إلى أنّ العلمنة في الأساس تعني: تحويل الملكية الروحية للكنيسة للملكية الدنيوية، وهذا يُفقد الكنيسة ممتلكات كثيرة، وبالتالي، كانت تقاوم؛ لذا هرب مارتن لوثر، وفي فترة تخفّيه ترجم الإنجيل.

لكن مع الوقت وظهور عصر الإصلاح ونجاحه، ثمّ عصر التنوير، وترسّخ مفاهيم الإنسانية في أوربا، وأنّ الإنسان هو مصدر الحكم على الأشياء، والبعد عن الدين، ووجود حركات معادية للدين. تطوّرت الكنيسة، اضطرارًا، كي تنال قدرًا من القبول لدى الشعب؛ لذا أقامت ما يعرف بـ “اللاهوت التحرري”، وغيّرت كثيرًا من مفاهيمها عن الإنسان وسلطة رجل الدين، ومنذ تلك اللحظة كان للكنيسة دورٌ في مأسسة هذا الإصلاح.

في مصر؛ تمّت مقاومة أفكار الإصلاح الديني بشراسة من مُؤسساته الدينية، سواء كان الدّاعون إليها من أبناء المؤسسة الدينية أو من عموم المثقفين، فلماذا اختلف الأمر عندنا؟

عاصم حفني: عداء المؤسسة الدينية عامة لأفكار الإصلاح، نابع من حرصها الدائم على الحفاظ على السلطة الروحية التي تتمتّع بها، فأي إصلاح ديني حقيقي يعني انحسارًا لدور المؤسسة؛ فالإصلاح ماهو إلاّ تنوير الفكر الإٍسلامي بشكل حرّ، ممّا يعني انحسارًا لدور الشيخ والإمام لأضيق الحدود. هذا الانحسار يحدّ، بالتالي، من دور المؤسسة الدينية من حيث؛ العدد، والسلطة الروحية، والتمويل المادي. وبالتالي، لن ترضى المؤسسة عن الإصلاح الجيد، هذا إن استطاعت فهمه من الأساس، ومع افتراض وجود أفراد داخل المؤسسة يعون معنى الإصلاح والتغيير الجذري، ويمتلكون البنية التفكيرية لذلك؛ فإن هؤلاء الأشخاص منبوذون، لأنهم يهدمون سلطة المؤسّسة الدينية.

وما الذي يدفع بالمؤسسة نحو تبنّي الإصلاح الديني؟

عاصم حفني: فقط الوقت يجبر المؤسسة على الإصلاح. وهنا أشير إلى موقفين يؤكدان ذلك؛ الأول في عام 1979م، قدّم الأزهر مشروعًا لدستور إسلامي، يهدف إلى أن يهتدي به أيّ نظام في حال رغبته في وضع دستور لا يتعارض مع الإسلام، بحسب مفهوم رجال الأزهر حينئذ، في هذه الفترة ساعد المناخ العام على ذلك؛ حيث تمّ فتح المجال العام للتيارات الإسٍلامية، وكان نظام السادات يشجّع المدّ الإسلامي، وبغض النظر عن الأسباب السياسية التي قيلت في ذلك، كان المُناخ جيّداً إجمالًا أمام الأزهر لتقديم دستوره. وبالنظر إلى المنتج الذي قُدِّم، فقد كانت مصطلحاته تقليدية، لا تمتّ إلى الديمقراطية بصلة؛ إذ نجده يستخدم مُصطلح الإمام، ويفترض الذكورة فيه، والإسلام، وغيرها من المصطلحات، التي يعرفها الفقه السياسي الإسلامي التقليدي. في حين نجد أن نفس المؤسسة، وفي ظروف ومناخ مختلفين، تتساءل عن موقع المؤسسة الدينية والدين من التطورات الحادثة في البلاد. وقد أُجبر الأزهر اجتماعيًّا على أن يفتح أبوابه لكل التيارات الفكرية والإسلامية، مما تُرجم في ما عرف بوثائق الأزهر في منتصف2011م، عقب لقاءات استمرت أربعة أشهر، ووصفت بالديمقراطية، لكنها على النقيض من مشروع دستورها عام 1979م؛ فهي تتحدث عن الديمقراطية والدولة الدستورية، لكنها لا تذكر أي شيء عن جنس وديانة الحاكم، هي لا تقول بأنّ المسيحي يكون حاكمًا؛ بل النصّ الذي وُضع ليكون ورقة أرضية عامة يُجيز ذلك!.

وهنا يظل السؤال الجوهري: هل تتّجه المؤسسة الدينية للإصلاح بإرادتها أم تُجبر عليه؟ لو قارنّا موقف الأزهر بالكنيسة الغربية، السابق الإشارة إليه، نجد أن: إجبار الموقف في كلا التجربتين هو الذي لعب دورًا باتجاه هذا التطور.

“المثقّف وممارسة الإصلاح”

يظلّ سؤال التراث وكيفيّة التعامل معه أحد الإشكالات المتعلقة بأطروحة الإصلاح الديني التي لم تحلّ، ولا تزال إحدى النقاط الملتهبة بين رأي يدعو إلى نزع القداسة عن تراث الأقدمين، والتعامل معه باعتباره منتجًا بشريًّا، ونتاج أزمان مغايرة بعيدة بأطروحاتها وإشكالاتها عن العصر الحالي، وبين رأي آخر يدعو إلى إبقاء التراث كلبنةً ومرجعية مع العمل على تطويره وفق معطيات العصر، فلولا تراث الأقدمين لم يحفظ الدين، مما يعكس رغبة في استمرار بسط يد التراث على معاصرين، واعتباره المرجعية الثابتة التي يجب أن يقاس عليها أيّ اجتهاد معاصر. كيف ترى حلّ هذه الإشكالية؟

عاصم حفني: بلا شكّ، إنّ أبرز الأزمات التي تحول دون تطوير الخطاب الديني، هي تلك المتعلقة بالتراث وحالة القداسة التي تُصبغ عيه. ليس لديّ أيّة إشكالية في تناول التراث ونقده، طالما أنّ هذا النقد مبنيّ على أسس معرفية علمية ومنطقية، ولا يمسّ العقيدة والإيمان؛ لأنهما مُرتبطان بالوحي، وهي قضية إيمانية لا تخضع لقواعد البحث العلمي. وأرى أن هناك ضرورة لأن ينصبّ النقد على التراث الإسلامي، بوصفه منتجًا بشريًّا ينشأ نتيجة تعاطي العقل مع النصوص المقدّسة، بهدف محاولة فهمها في إطار ما يتاح له من معارف ونظريات، تمكّنه من إسقاط النص الثابت على الواقع المتغير، والذي يستلزم دوام التعاطي والتجديد. وعلينا أن ندرك أنّ التجديد الحقيقي للتراث، يكون من خلال: فهمه موضوعيًّا، وإدراك ظروف نشأته، والعوامل السياسية والاجتماعية والدينية التي أثّرت في تشكّله، بالتزامن مع نزع القداسة عنه فعلًا لا قولًا، واعتبار رموز التراث بشرًا لهم أفق وحدود معرفيّة مرتبطة بزمانهم، مما يعني أنهم لا يستطيعون تجاوز سقف زمانهم المعرفي.

من يحقّ له ممارسة الحقّ في طرح أفكار الإصلاح الديني ونقد التراث؟ ومن يمنحه هذا الحقّ؟ خاصة في ظل الرأي الرافض لاحتكار القلّة لأمور الدين، بالإشارة إلى أن فكرة التخصّصات في علوم الدين نشأت في مراحل تاريخية لاحقة بقرون لوفاة الرسول.

عاصم حفني: أفكار الإصلاح عامّة من حق الجميع، أيًّا كانت خلفياتهم، سواء دوائر المثقفين، تنويريين وإسلاميين، أو الأكاديميين في التعليم الأزهري أو المدني، كذلك جماعات الإٍسلام السياسي. لكن تطبيق هذه الأفكار يكون من خلال المؤسسة الدينية؛ فهي الأقدر على القيام بهذا الدور الذي ينتقل بالأفكار من الفردية إلى المؤسسية والمشروع، خاصة أن هذا الأمر، في حقيقته، يحتاج إلى تكامل من حيث تنوع المشاركات، وهذا لا يتوفّر في الدعوات الفردية؛ لذا فالمؤسّسة ضرورة.

“أزمات التعليم الديني”

هذا يطرح تساؤلًا حول تدنّي مستويات المناهج الدينية التي يتمّ تدريسها في الأزهر، وغيره من الأقسام الشرعية في الجامعات المدنية. فهل ترى من الأهمية مزج تدريس المواد الشرعية بتدريس العلوم الإنسانية والاجتماعية في سبيل إنضاج الرؤى المتعلقة بمن يفترض فيهم دعم وتنفيذ فكرة الإصلاح الديني؟

عاصم حفني: المؤسسة الدينية عامة تحتاج لمراجعة تكوينها العلمي؛ فأزمة المنتج التعليمي الأزهري يتمثل في التقليدية الشديدة في أساليب التدريس ومناهج التعليم، والتي تقوم على التلقين والحفظ، ولا تعرف التعددية إلا داخل نطاق المذاهب الأربعة المعروفة. بينما تُعتبر المذاهب الأخرى فِرَقًا ضالّة، مثل، تيّار المعتزلة العقلاني.

كما أنّ المادة العلمية تعتمد، في المقام الأول، على سرد المسائل والأحكام الفقهية والتفسيرية القديمة، ثم استدعائها للوقت الحالي، دون الاهتمام بسياقات نشأة هذه الأحكام، ومدى ملائمتها للواقع الحالي، وهل يمكن تغييرها أم لا؟ ممّا يُعمّق من قدسيّة هذه الأحكام في وعي الدارس.

أيضًا، عدم الاستفادة الكاملة من العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية في إنضاج فكر الدارس؛ فعندما صدر قانون تطوير الأزهر في عام 1961م، كان المستهدف تخريج الطبيب الداعية والمهندس الداعية.. إلخ، لكن الواقع أتى ولم يتخرج منه الطبيب الفذّ، ولا الداعية المُتمكّن، فلم أر نموذجًا بازغًا في ذلك؛ لذا أرى أن يتم التركيز على تدريس العلوم الدينية؛ فهي أصل دور جامعة الأزهر، مع تدريس ما يرتبط بها ويدعمها من العلوم الاجتماعية المختلفة، حيث تُعمِّق رؤية الطالب وتجعله قادرًا على التواصل الجيّد مع المجتمع ومشاكله.

ولماذا لا يتّم السعي الجِدّي لتجاوز هذه الإشكاليات، ورفع جودة المنتج العلمي الذي يتمّ تقديمه؟

عاصم حفني: أزمة التعليم الديني الأزهري، في جوهرها، مرتبطة بتزايد أعداد الطلاّب الأزهريين، وهذا نتاج أزمات المجتمع عامةً؛ فبالنظر إلى جامعة الأزهر، نجد فيها أكثر من 300 ألف طالب وطالبة. كما أن قطاع المعاهد الأزهرية من الصف الأول الابتدائي إلى نهاية المرحلة الثانوية، يضم مليوني طالبًا وطالبة، وهذه الأعداد كبيرة جدًّا يجب إنقاصها للنصف، ولكن كيف والمؤسسة التعليمية الحكومية لا يُمكنها تحمّل ذلك؟

إنّ هذا الارتفاع كان نتيجة الدور الرعائي للأزهر؛ فالمصروفات الدراسية بسيطة، وهناك منح للطلاّب مُتعددة، ممّا يمثل جاذبية في المناطق الفقيرة، خاصة من صعيد مصر، كما أنّ النظام التعليمي الأزهري يدفع بكافّة طلاّبه نحو الجامعة، وهذا يمثّل نقلة اجتماعية للكثيرين، باعتباره حاملًا لمؤهّل جامعي، بغض النظر عن جودة هذا المؤهل، كذلك مدى فعاليّة الطالب/الخِرّيج في سوق العمل.

وفي حين يتجه الطلبة المتفوقون إلى الكليات العملية المختلفة، نجد أنّ أصحاب المجاميع الدنيا يتّجهون إلى الكليات الشرعية، وهي أساس الجامعة، بمجموع يبدأ من 50-60%؛ إذ لا يوجد تعليم فنّي/متوسّط يتجه إليه هؤلاء الطلاب محدودي المهارات.

وهنا أتساءل: كيف بمن هو نتاج كل ذلك أن يستطيع تجديد الخطاب الديني ويقوم به وينفّذ الإصلاح. هذا في حال وجود تصوّر أو رؤية معرفيّة للتجديد!.

“واقع وأزمات إسلاميّ الغرب”

مسارات متعددة لحقت بتجربة الإسلاميين في الحكم في البلدان العربية، كانت لها انعكاساتها على المحيط الإقليمي والدولي، خاصة في ظلّ تمدّد الدولة الإسلامية/داعش، والتحاق متفلّتين من التنظيمات الدينية بها، إضافة إلى تزايد أعداد الكتلة الجهادية السائلة، مما ترجم في استهداف دول أوروبيّة عدّة مرات. ماهي تأثيرات تلك التطوّرات على وضع الإسلام، في أوروبا خاصة، في ظل الاستهداف الرسمي الأمني للمسلمين ومساجدهم وحياتهم اليوميّة؟

عاصم حفني: بعد ما عُرف بثورات الربيع العربي، وتقدم الإسلاميين إلى المشهد السياسي بطريقة ديمقراطية، بدأت الصورة الغربية تتغير فيما يتعلّق بالإسلاميين، باعتبارهم يتفاعلون مع الآليّات الديمقراطية، لكن مع سوء الأداء والأزمات التي لحقت بالتجارب الإسلامية، وانغلاق المجال العام أمام الجميع، إضافة إلى تمدّد التنظيمات الجهادية؛ كالقاعدة وداعش، استطاعت هذه الجماعات اجتذاب الكثير من أصحاب الأفكار الجهادية لصفوفها، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.

وفيما يخصّ أصحاب أفكار السلفية الجهادية من المسلمين الأوروبيّين؛ فهؤلاء عرفوا الإسلام بصورة مبسّطة وسطيحة، فلم يدرسوه أو يتعمّقوا فيه، قيل لهم: (إنّ الطريق إلى الجنّة هو في تنفيذ هذه الأفكار)، فتوجّهوا نحو مناطق الصراع للجهاد، وكان ذلك يتمّ بسهولة، نتيجة توافر الأموال والقدرة على السفر، والدعم الذي يُقدّم.

وهؤلاء عامة، المواطنون والمقيمون: هم نتاج أزمات الهوية، وعدم القدرة على الاندماج في المجتمع لأسباب متعددة. فحتى لو كان النظام العام لا يفرّق بين المواطنين، سواء على أساس اللون أو الدين أو العرق، إلا أنّ الأمر تغيّر، كذلك، فيما يخص المجتمع من أسفل؛ فالأفكار المتطرّفة المسيحية منتشرة، وحالة العداء والرفض للأجنبي موجودة بدرجات متفاوتة.

من واقع تجربتك الأكاديمية في الجامعات والمعاهد الألمانية؛ كيف تقرأ وضع تدريس الدين الإسلامي في الدوائر الأكاديمية المختلفة؟ هل توجد موضوعات مفروض عليك مناقشتها لدواعي سياسية أو لتوازنات داخلية، كذلك تلك الممنوع مناقشتها منعًا لمزيد من الاحتقان أو سوء الفهم؟

عاصم حفني: هناك نمطان للتدريس: المنهج الاستشراقي بوجود أكاديميين غير مسلمين يدرّسون الإسلام، والنمط الآخر التقليدي بوجود مسلمين يدرّسون العقيدة. أنا أدرّس الإسلام من منظور استشراقي، وأذكر أنّني حينما كنتُ أدرس الدكتوراه في معهد جامعة “لايبتسج” كان هناك أستاذٌ للشريعة “لا أدريًا”.

فالإسلام كغيره من الأديان والعلوم المختلفة، يتعامل معه الأساتذة كمفهوم علمي أكثر منه مذهبيّ؛ فعندما تُقدّم الوهّابية كنوع من المعرفة، وليس على أنها مذهب يتوجّب الالتزام به، يكون هناك انفتاح على الإسلام والعودة بالإسلام إلى مفهوم الإسلام، كنصّ أصلي ملك للجميع، وما نشأ عنه من نصوص يُعدّ مُنتجًا مَعرفيًّا مكتوبًا ومقروءًا، يستطيع الجميع أن يفهمه ويفسّره وفقًا لاحتياجات العصر.

في الجامعات الألمانية؛ يتمّ تدريس العقيدة الإسلامية من قبل مسلمين، وليس غير مسلمين، كما هو معتاد، كما تمّ استحداث قسم آخر هو “الدراسات الإسلامية”، لا يزال في مرحلة وضع المناهج، والهدف من ذلك: تأهيل الأئمة ومدرّسي الدين الإسلامي في المدارس الألمانية، بهدف دمج مسلمي البلاد في المجتمع. وبشكل عام، لا توجد خطوط حمراء لدينا في تناول الشأن الإسلامي وتدريسه.

يظلّ السؤال الأبرز المطروح فيما يخصّ فرص التفاعل الرسمي مع الدين الإسلامي هو؛ أيّ دين يتمّ منحه الفرصة هل السُنّي، أم الشيعي السلفي، أم الأشعري الصوفي، أم المدخلي، ..إلخ؟

عاصم حفني: تعي الدولة الألمانية كلّ هذه التمايزات، لكن فيما يخصّ الإسلام؛ فإنّنا نتحدث في المرحلة الراهنة عن الإسلام السُنّي. وعامّة هناك تواجد وانتشار لباقي التوجهات والفرق؛ كالصوفية والمدخلية وغيرها، فيكون بناءً على توجه من يقوم بالدعوة ونشر الإسلام.

وعلى أيّ المذاهب يتمّ التعامل العلمي؟

عاصم حفني: يتمّ التركيز على دراسة المذاهب الأربعة المتعارف عليها، مع الانفتاح على باقي المذاهب؛ إذ نقدّم النماذج الموجودة كنماذج معرفية على فهم الإسلام، وليس شرطًا لتطبيق الإسلام بهذا النمط.

في العقد الأخير؛ بدت هناك تغييرات تحدث في وعي الجيل المعولم، من علماء الدين ومتخصصيه من أصحاب الاطلاع على التجارب المنفتحة في ظل حالة العولمة التي تؤطّر المشهد المعاصر، والتي لم تتح بنفس الزخم للأجيال السابقة، فما هو واقع فكرة الإصلاح وآليّاته وضوابط تحقيقه؟

عاصم حفني: مع الانفتاح، أرى أنّه لا بديل أمامنا سوى الإصلاح الديني، لتحسين صورة الإسلام من جانب، والتمكّن من إيجاد موطئ قدم في عالم ما بعد الحداثة، والذي صار من حيث تناقل الأفكار أشبه بالقرية الصغيرة، من جانبٍ آخر. والأمر ليس خيارًا أمامنا كمسلمين؛ بل ضرورة يحتّمها العصر بتحدّياته وتفاعلاته.

أحمد زغلول شلاطة- د.عاصم حنفي

مؤسسة مؤمنون بلاحدود-موقع حزب الحداثة

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate