اصلاح ديني

الاتجاهات الحالية للفلسفة الدين

1. فلسفة الدين لدى إرنست ترولتش:

يتزايد الاهتمام حاليًا بفلسفة الدين، حتى النساء يكتبن في فلسفة الدين والفلاسفة الذين يرغبون في أن يتعاملوا معها بجدية، يرحبون بهن باعتبارهن أهم مظاهر الفلسفة منذ عقود! وما علينا إلا أن نقارن، على سبيل المثال، بين المقالتين المنشورتين في “المحاضرات الفلسفية لجمعية كانط، العدد 24”:

1. غوستاف رادبروخ (Radbruch)، “في فلسفة الدين للقانون”.

2. بول تيليش (Tillich)، “في فكرة لاهوت الثقافة”.

فكلاهما متأثر بترولتش (Troeltsch)

فيما يلي، نود أن نحدد موقف ترولتش الديني الفلسفي، باعتباره الممثل الأكثر أهمية لفلسفة الدين الحالية. وبخلاف ذلك، فإن الأمور تجري بشكل اعتمادي في اللاهوت. يمتلك ترولتش معرفة كبيرة بالأساسيات الفلسفية الدينية الملموسة، وكذلك بالتطور التاريخي للمشكلة الدينية الفلسفية؛ إذ لديه خلفية فكرية قادمة من اللاهوت.

لقد أصبح عرض وجهات نظره صعبًا بسبب التغيير المتكرر لوجهة نظره الفلسفية الأساسية، والتي يتم خلالها الحفاظ على موقفه الديني الفلسفي بشكل ملحوظ. بصفته لاهوتيًا من مدرسة ريتشل، تم تحديد وجهة نظره الفلسفية في البداية، من خلال كانط (Kant) وشلايرماخر (Schleiermacher) ولوتز (Lotze). ومن حيث فلسفته في التاريخ، فهو يعتمد على فيلهلم دلتاي (Dilthey). وفي تسعينيات القرن التاسع عشر، تحول ترولتش إلى “فلسفة القيمة” على طريقة ويلهلم ويندلباند وهاينريخ ريكرت (Windelband-Rickert).

وفي السنوات الأخيرة، تحول أخيرًا إلى طريقة هنري برجسون- جورج زيمل (Bergson-Simmel). لقد فهم هيجل (Hegel) عن طريق برجسون وزيمل، وفي النهاية وجه فلسفته في التاريخ نحو هيجل.

ما هي الأهداف التي يطرحها ترولتش لفلسفة الدين؟ هدفه هو التوصل إلى تحديد أساسي وصحيح علميًا للدين.

• (أ) علم النفس:

في البداية، يلزم وصف (الوضعية) (positivism) للفينومينا (phenomena)([5]) الدينية: حيث حاليًا وبشكل مباشر، الفينومينا في حد ذاتها، خالية من النظريات (راجع الدعوة المماثلة لماكس فيبر (Max Weber) في علم الاجتماع). ويجب ملاحظة الفينومينا الدينية بشكل بسيط، كما لم تكن مأثُورة بعد (الصلوات، والطوائف، والطقوس، في أعمال الشخصيات الدينية الكبيرة، والدعاة، والمصلحين)، ومن ثم يتم وصفها في ظروفها البدائية الأولية الترانسندنتالية (transcendental).

يميز ترولتش بين الفينومينا الدينية المركزية والهامشية؛ فالفينومينا المركزية هي الإيمان بتحقيق وجود الله، والذي من حيث المبدأ يمنح أيضًا الأمر الأخلاقي. أما الأشكال الهامشية، فهي علم الاجتماع وأخلاقيات العمل في الدين؛ أي تعبيرها الواقعي في العالم التاريخي (كما درسها ماكس فيبر، على سبيل المثال). ومن أجل تحقيق هذا الهدف، يجب على فلسفة الدين أن تستخدم منهج علم النفس الفردي وسيكولوجية الشعوب، علاوة على ذلك، علم النفس المرضي، ودراسات ما قبل التاريخ، وعلم الأعراق، والمنهج الأمريكي في المسوحات والإحصائيات.

وفقًا لترولتش، فإن أفضل وصف للفينومينا الدينية حتى الآن، هو الذي قدمه ويليام جيمس (William James). (هنا يتأثر ترولتش بعلم النفس الوصفي الجيمسي والدلتايي). وهكذا، تولى ترولتش في عمله جميع الميول النفسية الأساسية.

• (ب) الإبستمولوجيا:

ويتبع هذا الوصف النفسي، كمهمة ثانية، إبستمولوجيا الدين وعنصر الصلاحية والمصداقية الموجود في السيرورات النفسية. (راجع، ترولتش: علم النفس والإبستمولوجيا)، (محاضرة ألقيت في المؤتمر الأمريكي لفلسفة الدين 1904). فالهدف هنا هو التحقيق في الشرعية العقلانية للتكوينات الدينية للأفكار. وفي هذه، تكون القوانين القبلية المحددة فعالة دائمًا، تلك التي تشكل أسس الفينومينا الدينية. لقد حددت الإبستمولوجيا الكلية بالفعل مشكلة القبلية (البديهية) بشكل عام. (هنا، يعتمد ترويلتش على الإبستمولوجيا الخاصة بـ ويلهلم ويندلباند وهاينريخ ريكرت)، حيث هناك قبلية تركيبية لما هو ديني، تشبه القبلية المنطقية أو الأخلاقية أو الإستطيقية.

إن عزل الديني القبلي يدل على تثبيت “الحقيقة” الدينية بشكل عام، والعنصر العقلاني في ما هو ديني. في أعماله اللاحقة على وجه الخصوص، لا يعني ترولتش “عقلانيًا” بمعنى ما هو عقلاني نظريًا، بل يعني “عقلاني” فقط ما هو صالح كليًا أو ضروري عقلانيًا. لقد حددها ترولتش في وقت سابق على أنها عقلانية قبلية (بديهية)، لكنه ابتعد فيما بعد عن هذا الرأي وادعى، دون أي تحديد للمحتوى، أنها ليست عقلانية ولكنها لاعقلانية قبلية (بديهية). ويدعي أنه من الأهمية ربط المنطقي والأخلاقي والإستطيقي القبلي بالديني القبلي ورؤية كيف يتلقى الأول ترسيخه من الديني القبلي. إن عمل إبستمولوجيا الدين أمر بالغ الأهمية: فهي ترغب في فصل ما هو واقعي ونفسي عما هو صالح قبليًا (بديهيًا).

في هذا السياق، لا تؤدي تجربة الحياة الواقعية وظيفة المجال أو المنطقة التي توجد فيها الموضوعات. ولا علاقة لها بواحدية (monism) الخبرة أو بنظرية الواحدية؛ هنا، لا شيء يتم “تفسيره”. في تناول وتوضيح الروابط المعطاة للدلالة، فإن الفينومينولوجيا الحالية لا تشكك بشكل صارم بما فيه الكفاية في الصواب في صحة ما هو معطى واقعيًا، لكن تجربة الحياة الواقعية هي ما تم تقديمه قبليًا، ولكن على أساسه لا يمكن “تفسير” أي شيء. إن الفينومينولوجيا ليس علمًا أوليًا وافتتاحيًا للفلسفة، بل الفلسفة نفسها.

يتم العمل الحالي في فلسفة الدين في المقام الأول في اللاهوت، وبشكل رئيس في اللاهوت البروتستانتي. يتعامل اللاهوت الكاثوليكي مع المشكلات الفلسفية فيما يتعلق بالفهم الكاثوليكي للمسيحية على وجه التحديد، بينما يعتمد اللاهوت البروتستانتي بشكل أساسي على الاتجاهات الفلسفية الرئيسة التي يرتبط بها.

ومن تحيز فلاسفة الدين أن يظنوا أنهم قادرون على حل مشكلة اللاهوت بتمريرة سريعة لليد. وبصرف النظر عن هذه الأعمال، علينا أن نأخذ بعين الاعتبار عمل علم نفس الدين، الذي يجب أن نقرر بشأن مساهمته لاحقًا. وبقدر ما يتم تناول المشكلة الدينية الفلسفية في إطار الفلسفة، فمن دون شك يفترض أن التقريب بين فيشته (Fichte) وهيجل، والذي يتزايد باستمرار في الوقت الحاضر، سيؤدي إلى تجديد التأملات الفلسفية الدينية. تطبيق هذه إن المبادئ تجبرنا على تناول المشكلة الدينية الفلسفية في اتجاه معين سنرفضه لاحقًا بشكل نقدي. وعلى أي حال، فإن هذا الاتجاه التأملي له معنى خاص بالنسبة إلى تزايد العمل الديني الفلسفي الذي سيحدث بلا شك. ربما يكون معروفًا لكم جميعًا، إن كون الأدباء اليوم قد استحوذوا على فلسفة الدين، لكن هذا لا ينبغي أن يهمكم هنا.

• (ج) فلسفة التاريخ:

فقط على أساس فصل النفسي عن القبلي (البديهي) (priori) يمكن للمرء أن يتتبع الضرورة التاريخية لما هو ديني، حيث يعتبر تاريخ الدين أن تحقيق ما هو ديني أمر بديهي في المسار الواقعي للتاريخ الروحي، وليس مجرد الحقائق فحسب، بل القوانين التي يتطور بموجبها الدين تاريخيًا. لقد تصور هيجل هذا الهدف لأول مرة، لكن طريقته البنائية الاستدلالية يجب رفضها. من المؤكد أن هذه المهمة لن تنجح من دون الميتافيزيقا، ولكن لا يمكن قبول سوى الميتافيزيقا “الاستقرائية”. وعلاوة على ذلك، يجب على فلسفة تاريخ الدين أن تفهم الحاضر وتحدد مسبقًا التطور المستقبلي للدين. ويجب أن تقرر ما إذا كان سيتم إنشاء دين عالمي للعقل، دين سيخرج بشكل متزامن وتوفيقي من ديانات العالم الحالية (الكاثوليكية البروتستانتية، وفقًا لـسود بريلوم (Söderblom)، أو ما إذا كانت إحدى الديانات الوضعية في المستقبل (المسيحية، البوذية، الإسلام) ستسود بمفردها.

• (د) الميتافيزيقا:

هذه ميتافيزيقا لفكرة الله فوق أساس كل تجاربنا في العالم. ويمكن أن ترقى الإبستمولوجيا النقدية أيضًا (لدى كانط… إلخ) إلى مثل هذه الميتافيزيقا؛ إذ يصل المرء من السياق الغائي للوعي (الترنسندنتالي) إلى دلالة أخيرة، وهي التي تتطلب وجود الله.

في الواقع، قام ترولتش بتوجيه فلسفة الدين خارج اللاهوت. لقد ركز فلسفة الدين حول مشكلة توحيد التاريخ الديني والنظاميات الدينية (راجع ألبرشت ريتشل 1822-89)؛ لأنه حاول، في أعقاب “الوعي العام” لريكرت، إعادة صياغة ونقد عقلاني للمادة الدينية التاريخية. دفعه فشل هذه المحاولة إلى الانفصال عن اللاهوت. لقد أراد أن يؤسس فلسفة الدين الأحدث على “فينومينولوجيا أولية”؛ أي عقيدة أولية لأنواع الأديان التاريخية. يسمي هذه المواصفات علم نفس الدين، الفينومينن (Phenomenon) المركزية هي الإيمان بإمكانية تجربة حضور الله؛ والهامشية هي الميثولوجيا والأخلاق وعلم اجتماع الدين. يظهر علم النفس المرضي وعلم الأعراق أن الفينومينن الأصلية لجميع الأديان هي الباطنية او التصوف، وتجارب الاتحاد في الله. أينما يتم تحقيق الدين روحيًا، تكون الأسس القبلية ضرورية، والتي تميز حتى العمليات النفسية الفردية على أنها دينية. إن الإبستمولوجيا في الدين هي أن تعمل، قياسًا على ما هو نظري قبلي، وعلى القبلي الديني، مما يعني تثبيت محتوى الحقيقة، الذي يشكل “اللحظة العقلانية” للدين التي من خلالها يصبح الدين ممكنًا لأول مرة (راجع ريكرت). “العقل/ التفكير” ((ratio يعني، لاحقًا عند ترولتش، التوافق مع القاعدة ليس فقط بالمعنى المنطقي، ولكن أيضًا بالمعنى الأخلاقي، وما إلى ذلك. إن إعادة توحيد ما هو موجود ومؤكد قبليًا مع الأنماط النفسية لظهور الدين ينتمي إلى الميتافيزيقا الدينية.

بالنسبة إلى ترولتش، فإن الدين القبلي يقف في مواجهة عالم عقلي أعلى [Geisteswelt]، تعتبر تجربته هي الفينومينن الدينية الأساسية، حيث تختلف الميتافيزيقا الدينية من حيث المبدأ عند ترولتش كما هي الحال في الميتافيزيقا الفلسفية، تمامًا كما يختلف الديني القبلي عن النظري القبلي. ولذلك، يمكن أن يكون هناك تمثيل تاريخي على أساس مبدأ غائي للتطوير اكتسبه تاريخ الفلسفة. وبذلك تصبح الميتافيزيقا فعالة بشكل مشترك، ولكنها ليست ميتافيزيقا ديالكتيكية بناءة مثل ميتافيزيقا هيجل، بل ميتافيزيقا استقرائية للدين. علاوة على ذلك، ينبغي لفلسفة الدين أن تحول التطور الإضافي للدين، على سبيل المثال، حل أو مناقشة مسألة دين العقل المحض أو التوفيق بين المعتقدات أو الشكل المميز لأحد الأديان الكبرى (راجع سودبريلوم)….إلخ. يجب على ميتافيزيقا الدين أن تدمج حقيقة وواقع الله في سياق العالم. حتى في إطار الفلسفة الإبستمولوجية، فإن الأساس اللاهوتي ومعنى حقيقة الوعي سيؤديان إلى الإيمان بالله.

لدينا إذن أربعة فروع فلسفية دينية: (1) علم النفس، (2) الإبستمولوجيا، (3) فلسفة التاريخ – هذه الثلاثة مجتمعة تشكل علم الدين – و(4) الميتافيزيقا، وهي الفلسفة الأصيلة للدين.

علم الدين هو نظام فلسفي مثل المنطق والأخلاق والإستطيقا. وتأسست الميتافيزيقا على هذه كمنطقة نهائية.

لقد حافظ ترولتش بنفسه قبل كل شيء على فلسفة التاريخ، إلى جانب تحقيقات محددة (“Die Soziallehren der christlichen Kirchen und Gruppen”) [“المذاهب الاجتماعية للمسيحية”]، …إلخ،. وفي أصوله الأساسية غير [رأيه]. ففي وقت سابق، كان يفهم التاريخ من الناحية الغائية، باعتباره تطورًا تقدميًا. وفي الآونة الأخيرة، أعطى لكل عصر ديني تاريخي معناه الخاص، ولا ينبغي أن يُنظر إليها على أنها مجرد نقطة عبور.

ومن استفزازات الحياة تنشأ دوافع جديدة دائمًا، لم تعد قابلة للفهم عقلانيًا للعصر التالي. وتنشأ الأديان من لحظات عقلانية وقوى عفوية للحياة، حيث لديها دلالة خاصة بها مما يجعلها مستقلة؛ وبذلك تصبح دافعاً للتطوير. لا يمكن تحديد العلاقة الديالكتيكية المنطقية؛ المخطط المنطقي للتطوير هو مخالفة وإخلال (راجع برجسون وزيمل).

يطرح ترولتش مشكلة “الديالكتيكية التاريخية” (historical dialectic) (راجع مقالته في Historische Zeitschrift)([12]). وبهذا يخرج عن فلسفة ريكرت في التاريخ ويصل إلى دلتاي (راجع كتاب الأخير “Aufbau der geschichtlichen Welt in den Geisteswissenschaften”) [تأويل وتشييد العالم التاريخي في العلوم الإنسانية]. مفاهيمه الأساسية هي “الكلية الفردية” و”استمرارية الصيرورة” بدلاً من “التطوير” (راجع “المعضلات الفعالة” لدلتاي [Wirkungszusammenhang]). إن التعديل الذي يتبع ذلك على مفهومه القبلي لم يطوره ترولتش بعد. ومن المشكوك فيه ما إذا كان هو الآن، متبعًا ريكرت (راجع زيمل)، ويتمسك بمفهوم الدين القبلي (راجع نقده لكتاب رودولف أوتو (Otto)، Das Heilige [المقدس] في Kantstudien 1917).

2. ملاحظات نقدية:

لا نريد أن ننتقد وجهة نظر ترولتش، بل نريد أن نفهم بشكل أدق موقفه الأساسي؛ فالمسألة هنا هي تحديد جوهر الدين بشكل علمي، حيث لدى ترولتش مفهوم رباعي الأبعاد لجوهر الدين:

*. الجوهر النفسي للدين؛ أجناس لديها تفرد وخصوصية لنموذجها.

*. الجوهر الإبستمولوجي للدين؛ قبلية (بديهية) العقل الديني.

*. الجوهر التاريخي للدين، يُفهم على أنه تصنيف عام؛ عبر تحقيق الفقرتين (1) و(2) في التاريخ.

*. الجوهر الميتافيزيقي للدين؛ الديني كمبدأ لكل شيء قبلي (بديهي)، (مكانة الدين في مُجَمّع ومعضلات العقل بأكمله).

فقط هذه المفاهيم الأربعة تعطي صورة كاملة لفلسفة الدين. يجب علينا الآن أن نفهم كيف تشير فلسفة الدين هذه إلى الدين، سواء كانت تنبع من معنى الدين، أو ما إذا كان الدين لا يُفهم بطريقة الموضوع (object) ويُجبر على الانخراط في مجالات فلسفية – وهذا يعني أنها مندمجة في معضلات مادية كانت موجودة بالفعل في ذاتها قبل الدين.

هناك أيضًا علم النفس، والإبستمولوجيا، وفلسفة التاريخ، وميتافيزيقا العلوم والفن. وبالتالي، فإن هذه المجالات الدينية الفلسفية لا تنشأ من الدين نفسه باعتباره دينًا. من الخارج يتم ملاحظة الدين ودمجه كموضوع. وفلسفة الدين في حد ذاتها هي علم الدين. وهكذا يتم إرجاع الإشكالية برمتها إلى وجهة نظر الفلسفة نفسها، حيث يصبح مفهوم الدين ثانويًا، ويمكن للمرء بسهولة أن يفكر في سوسيولوجيا أو إستطيقا الدين.

تم العثور على الشعار الدافع لفلسفة ترولتش الدينية في وجهة نظره للإصلاح. إنه لا يرى شيئًا جديدًا في الإصلاح، بل يعتقد أنه تقدم من داخل البنية الحسية والإدراكية للعصور الوسطى. يُعتقد أن التجديد قد وصل بعد ذلك إلى القرن الثامن عشر وإلى المثالية الألمانية، حيث تناول ترولتش العديد من مبادئ العصور الوسطى والكاثوليكية بهذه الطريقة في فلسفته الدينية. ومن حق المرء أن يتهمه بأنه، مثل دلتاي، لم يكن لديه أي فهم لمارتن لوثر (Luther). أخيرًا، بالنسبة إلى ترولتش، يعتمد الأمر على ميتافيزيقا الدين، وعلى إثبات الله، لكن إثبات وجود الله ليس مسيحياً في الأصل، بل يعتمد على العلاقة والترابط ما بين المسيحية والفلسفة اليونانية، حيث تحدد هذه النظرة الميتافيزيقية أيضًا فلسفة ترولتش للدين.

لا نريد أن نقيم نقداً على أساس المضمون، نريد أن نرى كيف يتوافق الدين مع الفلسفة، وكيف يصبح الدين موضوعًا (object) للفلسفة.

لدى ترولتش يتم وضع الدين في أربعة تخصصات فلسفية دينية في معضلات مادية مكتملة. وبقدر ما تتحرك الملاحظة الفلسفية للعالم في جهات مختلفة، يتم وضع الدين في هذه الجهات، ويُرى كيف يعبر الدين عن نفسه فيها.

ومن هذا تنشأ المفاهيم الأربعة لجوهر الدين، حيث المناطق الأربع ليست منهجية فقط؛ [إنها] مقسمة أيضًا حسب طابعها المادي. فالواقع النفسي هو، في بنيته وفي طبيعة وجوده، شيء آخر غير المنطقة القبلية للشرعية العقلانية؛ وهذا أيضًا شيء آخر غير واقع التاريخ، ولا سيما التاريخ الكلي؛ وهذا شيء آخر غير الواقع الميتافيزيقي السابق الذي يُفكر فيه الله، إذ لا يتم التعامل مع كيفية ربط هذه المناطق معًا. وهكذا، فإن فلسفة الدين تتحدد هنا لا على أساس الدين نفسه، بل على أساس مفهوم فلسفي خاص، بل ومفهوم علمي.

يود المرء أن يرى شيئًا جديدًا معروضًا هنا في ميتافيزيقا ترولتش، وهو أن الدين الآن لم يعد يُدرَس كموضوع، بقدر ما يتم المعالجة والتعامل مع فينومينن (Phenomenon) (الظاهرة) الأولية – الإيمان بوجود الله -. بعد ذلك، سيتم اكتساب وجود الله بطريقة غير معرفية. لكن ترولتش يقول، على الرغم من ذلك، إن “موضوع” الإيمان يجب دراسته كموضوع واقعي مرتبط بأشياء واقعية أخرى، بقدر ما يُنظر إلى العقل باعتباره وحدة.

في دراسة كلية أخيرة للموضوعات، يجب رفع التجربة الإنسانية بأكملها إلى مستوى المفاهيم، وبالتالي يجب أيضًا دراسة الله كموضوع واقعي. وهنا يتضح أيضًا كيف تمكن ترولتش من الحفاظ على موقفه من فلسفة الدين دون تغيير من خلال تغيير وجهات نظره الفلسفية من حيث المبدأ. الدين بالنسبة إليه هو موضوع خارجي، ويمكن دمجه في معضلات مادية مختلفة (بما يتناسب مع “الأنظمة” الفلسفية المختلفة).

على هذا النحو، فإن إمكانية التحول المستمر عند ترولتش هي أقوى علامة على أنه يفترض الدين كموضوع.

العلاقة بين الدين والعلم، بحسب ترولتش، ليست علاقة قسرية. وبقدر ما يجد الدين نفسه في سياق ثقافي، فإنه يجب عليه أن يتعامل مع العلم: دفاعيًا وسلبيًا في تبريراته؛ ولكن أيضًا بشكل إيجابي، حيث يمكن لعلم الدين، من خلال التنبؤ بالتطور الديني المستقبلي، أن يحقق شيئًا ما في مواصلة تطوير الدين. والواقع أن العلم لا يصنع الدين، ولكنه يمثل عاملا مثمرا في مواصلة تطوره.

وفقًا لترولتش، فإن تاريخ المسيحية يظهر ذلك؛ من خلال تحالفها مع الفلسفة القديمة، حققت مكانتها التاريخية القوية. ومن ناحية أخرى، فإن إمكانيات المنتجات الدينية الفلسفية مستنفدة في الوقت الحاضر. فالمسألة المطروحة هي مجرد تأكيد على الاحتمال الصحيح.

ما الذي استفدناه الآن، لأغراضنا، من دراسة ترولتش هذه؟

قبل كل شيء، تمثيل ملموس لفلسفة الدين، ثم هناك أربعة محددات يمكن أن ينسبها المرء إلى الدين: النفسي، والعقلاني القبلي (البديهي)، والتاريخي، والميتافيزيقي. وأخيرًا، تعترف تلك الفلسفة، في مبادئها، بالدين كموضوع للإدراك المعرفي (cognition). وهكذا جادلنا ضد أطروحتنا حول الفرق الجذري بين الفلسفة والعلم؛ وبما أن الفلسفة يجب أن تحول الدين إلى موضوع لإدراكها المعرفي، فلا يمكن أن نفهم كيف ينبغي للفلسفة أن تشغل نفسها بالدين، إذا كان هناك اختلاف أساسي في المعنى العلائقي بين الفلسفة والعلم (أي الإدراك المعرفي للموضوعات). ألن تصبح “الفينومينا” موضوعا للدراسة في “فينومينولوجيا الدين”، تماما كما، على سبيل المثال، في فينومينولوجيا استطيفا اللذة؟ لذا مبدئيّاً، لا بد من فحص الدين في واقعيته، قبل أن نتناوله بدراسة فلسفية معينة.

لحسام جاسم.

مؤسسة مؤمنون بلا حدود-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate