اصلاح ديني

الاعتراف في الثقافة العربية الإسلامية.

تنطلق هذه المقالة من دعويين عامتين؛ تفيد الأولى أن الثقافة العربية الإسلامية تشكل مجالا واسعا مسكونا بالاختلاف والتعدد والتناقض، في إطارها تتساكن أديان ومذاهب ونِحل وعقائد ومدارس، تنتمي إلى مجالات معرفية متنوعة كالفقه والفلسفة والمنطق وعلم الكلام والتصوف، تنتظم وفق علاقات متعددة كالتسامح والتعايش والاعتراف والقبول بالمغاير والمخالف والصراع، والتهميش والإلغاء. في حين تفيد الثانية أن التفكير في مجمل تلك العلاقات التي حكمت مختلف الفاعلين في مجال الثقافة العربية الإسلامية، يُسهم في بناء سرديات جديدة حول الدين والمجتمع تُمهد للتمكين لقيم إنسانية تشيع ثقافة الاعتراف والتسامح والإيمان بالاختلاف.

يتجلى الأفق المنشود لهذه المقالة في إلقاء الضوء على بعض جوانب الثقافة العربية الإسلامية الموسومة بالثراء والتنوع المذهبي والعرقي والسياسي والمعرفي، مما يسمح بالكشف عن بعض مظاهر علاقات التسامح والتعايش والاعتراف المتبادل بين الفاعلين في فضاءات السياسة والمعرفة من حكام وحكماء وفقهاء ومتصوفة، أو ما يتعارض معها كليا من مظاهر علاقات الرفض والنبذ والإقصاء، والتي كانت تسود في الواقع العربي الإسلامي منذ واقعة الفتنة الكبرى أو الصراع حول الإمامة وما صاحبها وتلاها من أحداث وتحولات وجدت صداها القوي فيما سُمي بعصر التدوين*، تلك اللحظة تم فيها تصنيف وتبويب وتدوين العلوم والمؤلفات الكبرى التي أطرت العقل العربي الإسلامي وساهمت في تشكيله.

ففي (دار الإسلام) تشكل واقع تحكمه علاقات القوة والغلبة، التي كان لها بالغ التأثير في النسيج الاجتماعي والإنتاج المعرفي، كما تحكمت في أنماط التفاعلات بين المكونات والتكتلات الاجتماعية والسياسية والفكرية التي كانت فاعلة في الواقع العربي الإسلامي، وأفرزت قيما وتيارات فكرية ومذهبية تواجهت وتصارعت على مستوى تأويل النصوص الأساسية وعلى مستوى السعي إلى امتلاك السلطة أو الانخراط في الصراع حول امتلاكها ومناصرة تيار ضد الآخر. ولعل هذا ما يبين أن نظام القيم السائد في (دار الإسلام) كان هو المتحكم في نظام المعرفة؛ فالنظام القيمي الذي يعكس موازن القوى، يحددها ويوجهها، يتحكم كذلك في تكوين بنية العقل العربي الإسلامي العربي في بعديه الأخلاقي والسياسي.

من أجل السعي لبلوغ ذلك الأفق المنشود، وضبطا لمجال التفكير والبحث، سنقصر نظرنا في الاعتراف، مفهوما وواقعة، معتبرين إياه منظارا للكشف عما كان يفتعل في فضاءات الثقافة العربية الإسلامية من علاقات ومواقف بين الفرقاء الذين ينتمون إلى مجالات مختلفة، عقائديا وسياسيا ومعرفيا، أو ينتمون إلى نفس المجال ويختلفون في الانتماءات والولاءات والتحيزات.

لقد اهتمت العديد من الدراسات في مجالنا العربي المعاصر بمفهوم الاعتراف من زوايا متعددة نظرا لأهميته وراهنيته؛ فهناك من تناوله من خلال التركيز على أصوله النظرية والأخلاقية، وهناك من قاربه من خلال رصد مواقف أهل العلم من الفلاسفة والمتكلمين لتبيان مدى التزامهم به، وهناك من عالجه نقديا من زاوية الانشغال بالواقع العربي المعاصر مقارنة بالواقع والفلسفة الغربيين. ولقد آثرنا في هذه المقالة مقاربته من خلال وقائع تاريخية مستوحاة من العمران البشري العربي الإسلامي، تعبر بقوة عن جدلية الديني والسياسي من جهة، وعن جدلية إرادة المعرفة وإرادة السياسة من جهة ثانية.

إن قوة الوقائع والأحداث المسجلة في تاريخنا العربي والإسلامي، منذ عصر التدوين، وتعدد القراءات والتأويلات التي صاحبتها أو تستدعيها الآن، تفرض علينا التساؤل: هل عرفت الثقافة العربية والإسلامية، في مراحلها المبكرة، حضور الاعتراف؟ وإلى أي حد جسدت النخب العالمة، الفقهاء والمتكلمون والفلاسفة والمتصوفة، في علاقاتها قيمة الاعتراف؟ ألا يُوحي إلينا الصراع السياسي الذي نشأ حول الخلافة، وما صاحبه من تحيز واستقطاب، بغياب الاعتراف؟ ما الجدوى من العودة إلى الوقائع والأحداث التاريخية للتفكير في الاعتراف بالنسبة إلى واقعنا العربي الإسلامي المعاصر؟

1. في دلالة مفهوم الاعتراف:

من المُسلم به أن الأصول النظرية لمفهوم الاعتراف تعود إلى فلسفة هيجل، بيد أنه صار نموذجا إرشاديا في الفلسفة المعاصرة لفهم وتفسير الكثير من الظواهر الاجتماعية والسياسية والاقتصادية المرتبطة بمطلب العدالة وإعادة التوزيع، وتسوية حقوق الأقليات والأفراد والجماعات، ومقاومة كل أشكال الإقصاء والتهميش والنبذ والعنصرية، خاصة مع الفيلسوف الألماني أكسل هونيث Axel Honneth صاحب كتاب (الصراع من أجل الاعتراف)، والفيلسوف الكندي تشارلز تايلور Charles Taylor صاحب كتاب (سياسات الاعتراف).

في البدء نورد ملاحظة أبداها بول ريكور في كتابه “مسار الاعتراف”، حيث أشار إلى أن مصطلح الاعتراف من صنف المفاهيم المتعددة المعاني والدلالات. أرجع كل هذا التعدد الدلالي إلى ثلاثة معان: تحديد الهوية، الاعتراف بالذات والاعتراف المتبادل؛ يتمثل الأول في التعبير الذي يمكن استخدامه لتحديد هوية شيء أو فرد ما، والثاني يرتبط بالذات، أو عندما يدرك الفرد ذاته حتى يتجاوز خطر سوء فهم الآخرين له، ويشير الثالث إلى الاعترافات المتبادلة بين الأفراد والجماعات.

وفي سياق بحثنا، سنركز على المعنى الأخير نظرا لارتباطه الوثيق بإشكالات التعددية الثقافية؛ ففي نطاق المعنى الأول تم التركيز على البعد الإبستيمولوجي، في حين ذهب المعنى الثاني مذهبا أخلاقيا على الرغم من أنه مؤسس معرفيا، بينما اتخذ الثالث بعدا عمليا. فالاعتراف يندرج في إطار تأسيس هوية الشعوب والأفراد، من هنا يمكن أن نفهم تشديد بول ريكور على أن الرهان المشترك لكل الصراعات المتباينة هو تحقيق الاعتراف بالهوية المميزة للأقليات الثقافية المحرومة، كالحركات النسوية والسود وباقي المهمشين في النسيج الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

بشكل عام، يُستعمل مفهوم الاعتراف للدلالة على احترام الذات (المساواة في المعاملة) أو تقدير الذات (الاختلاف)، كما يمكن أن يُفهم بالمعنى الواسع فيدل على التسامح، أو أن يُفهم بالمعنى الضيق فيشير إلى سياسات الاختلاف، وكما يحمل شحنات نفسية وأخلاقية ومعيارية، ويلعب أدوارا اجتماعية واقتصادية وسياسية.

إن استعارتنا لمفهوم الاعتراف من الفضاء الفلسفي الذي نشأ وتطور فيه، من أجل استعماله إجرائيا كأداة منهجية ومعيارية لفهم العلاقات التي كانت تسود بين الفاعلين في الفضاء العربي الإسلامي المرتبط بالمرحلتين المبكرة والوسيطة التي تشكلت فيهما أهم الأنساق العقائدية والفقهية والكلامية والفلسفية، تستلزم الوعي بالاختلافات الحاصلة بين هذين الفضاءين خاصة على مستوى الرهانات والغايات المتوخاة من استعماله.

يستبطن الحديث عن الاعتراف الإقرار بوجود الاختلاف الذي يجب تدبيره. ويحضر المختلف على وجهين في سياق الفضاء العربي الإسلامي. يتعلق الوجه الأول بالاختلاف داخل المعتقد الواحد، حيث إن المختلفين يسلمون بنفس الثوابت العقائدية ويختلفون على مستوى تأويلها، ولعل هذا ما أدى إلى نشأة مذاهب الفقهاء وفرق المتكلمين. في حين أن الوجه الثاني يتعلق بالاختلاف خارج دائرة المعتقد المشترك وإن جوهر الاختلاف الكامن خلف هذين الوجهين هو الاختلاف الديني، سواء على مستوى تأويل النصوص أو على مستوى الاستناد إليها من أجل تحديد الموقف ممن لا ينتمي إلى نفس المعتقد أو يدين بمعتقد آخر. وسنهتم بالنوع الأول من الاختلاف الذي كان يقع ضمن دائرة المعتقد الواحد بُغية الكشف عن صور الاعتراف الممكنة وأنماط العلاقات التي تُجسد حضوره أو تُعلن عن غيابه؛ وذلك من خلال رصد بعض المواقف المتبادلة بين الفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والمتصوفة. وفي الوقت ذاته نستحضر دور الحكام وتأثيرهم على تلك العلاقات والمواقف.

2. الاعتراف ومشروعية الاختلاف:

في البدء وقع الخلاف، فنشأت عنه اختلافات كثيرة في الرأي والسياسة، أدت إلى نشأة الكلام في نصوص الدين وفي وقائع المجتمع خاصة تلك المرتبطة بالإمامة. لقد حدث كل ذلك بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان، حيث انقسمت جماعة المسلمين إلى ثلاث فرق، فرقة تناصر معاوية، وفرقة تشايع علي، وفرقة وقفت موقف الشك مما يقع وأرجأت أمر المتقاتلين إلى الله؛ لأن الانحياز إلى أحد المتصارعين، علي أو معاوية، يعني معه ضد الآخر.

دخل الإسلام المُبكر باب الفتنة الكبرى التي شارك فيها كبار الصحابة الذين اختلفوا في تقديراتهم وآرائهم، ومن اختلافهم نشأت الفرق الكلامية والمواقف السياسية المتعارضة. لم يكن مقتل عثمان بن عفان حدثا عابرا في التاريخ، بل كان مقتله “ضاغطا على التاريخ السياسي طيلة قرنين أو ثلاثة قرون. لقد كان له وقع ديني سيلعب دوره بقوة، طيلة أربعة أو خمسة قرون، وسيستمر حتى اليوم من خلال انقسام الإسلام إلى سنة وشيعة”. كما أدى إلى سيل كبير من الأعمال والأفعال المأساوية والتمزقات في النسيج الديني والاجتماعي. في ظل هذا المناخ المسكون بالصراع والنزاع، سيقع الانفصال بين الإسلام المثالي والإسلام الممارس في الواقع، أو بين الإسلام المعياري والإسلام الاجتماعي والسياسي والثقافي. وفي هذا المناخ ستظهر البوادر الأولى لظهور الفرق الكلامية بوصفها تعبيرات عقائدية وسياسية أو رؤى إيمانية للصراع السياسي.

صحيح أن الكلام في هذه المرحلة كان “تقريرا لرأي شخصي في قضايا الأمة والمجتمع، ولما كانت أهم قضية شغلت المجتمع والأمة في ذلك الوقت هي الإمامة، فإن الكلام كان في حقيقته ومرماه ردا واعتراضا واحتجاجا عن نوع التوظيف الذي يقوم به المنخرط في الفتنة، حاكما أو ثائرا، للخطاب الديني”. لكن الكلام، في النص وقضايا المجتمع، ما لبث أن تحول إلى خطابات منخرطة في الصراع الدائر حول السلطة السياسية أو خطابات عقائدية توظفها الأطراف المتصارعة.

إن هذا التقاطع بين المعرفي (الكلامي والفقهي) والسياسي في التجربة السياسية الإسلامية، والذي كان مداره الأساس هو النص أو تأويل النص وتوظيفه في إشكاليات عملية تمس المجتمع والسياسة. سيزيد من حدة الصراع وينتج خطابات جذرية تروم الإقصاء من خلال بناء (أيديولوجيا التكفير). ربما يمكن القول إن واقع المجتمع الإسلامي صار محكوما بسلطتين متقاطعتين؛ سلطة معرفية وسلطة سياسية. سلطة معرفية تطمح أن تكون سياسية، وسلطة سياسية ترغب في امتلاك المعرفة وتوظيفها. بهذا المعنى ارتدى الإنتاج المعرفي، الاجتهاد الفقهي أو القول الكلامي، ثوب المواقف السياسية المشدودة لرهانات القوة والتحكم والسلطة، أو ثوب الخطابات الساعية إلى التأثير في طبقات المجتمع بُغية توجيهها وحشدها في الصراع السياسي.

إن الخلاف السياسي المرتبط بالإمامة ومشروعية السلطة والحكم، وما صاحبه من خلاف عقائدي ومذهبي ومعرفي متمثلا في ظهور البوادر الأولى لنشأة المذاهب الفقهية والفرق الكلامية، فرض واقعا متوترا مسكونا بأنماط العلاقات الاجتماعية والإنسانية التي تنحو في الغالب نحو إقصاء المخالفين والمعارضين، والتي كانت لها تداعياتها الحادة على منظومة القيم السائدة في المجتمع العربي الإسلامي.

مما لا شك فيه، أن الصراع بين علي ومعاوية كان صراعا حول السلطة السياسية، وكان القرآن من أهم أدوات الصراع بين الطرفين، وكذلك بين علي والخارجين عليه والرافضين للتحكيم. ولعل هذا ما جعل القرآن، الحمّال لأوجه متعددة، أرضية للصراع بين التأويلات والتأويلات المضادة. فلقد عمل كل طرف من الأطراف المتصارعة على توظيف الآيات التي تخدم مصالحه، وهذا ما أدى إلى إخراج الخلافة أو الإمامة من سياق السياسة، وإقحامها في مجال الدين.

من بين تداعيات الصراع حول الإمامة، الذي هو صراع قبلي كان محصورا بين بني هاشم وبني أمية، أن معاوية بن أبي سفيان أرسل أوامره إلى عماله على الأقاليم، وخاصة الكوفة، للقيام بحملة دعائية ضد خصمه الإمام علي وشيعته، بلعنه وتجريمه وتحميله مسؤولية مقتل عثمان. إن هذا اللعن في المساجد وفوق منابر الجمعة، لم يكن حاملا لدلالة دينية فقط، بل يحمل كذلك دلالة سياسية تتمثل في الطرد من جماعة المسلمين ومن الذاكرة، كما ينطوي على موقف قيمي يتجلى في الدعوة الجذرية إلى إلغاء المخالف والقضاء عليه رمزيا في أفق القضاء عليه ماديا بقتله واغتياله واستباحة دمه. إن ذلك الموقف الديني والسياسي من الخصم والمنافس، الذي سيتحول فيما بعد إلى خصم عقائدي ومذهبي، يشير إلى استحالة الاعتراف وامتناع إمكانية عيشه ووجوده.

إن الوقائع والأحداث المتوالية التي ستعقب مقتل الخليفة الرابع علي بن أبي طالب واستلاء بني أمية على الحكم، تؤكد بقوة على أن الاعتراف مطلب مستحيل بين الفرقاء أو أن التأسيس لثقافة الاعتراف إمكانية معدومة. ومن مظاهر ذلك أن الصحابة، في الفتنة وما تلاها، يتخاصمون ويكذب بعضهم البعض، ويقدح بعضهم في بعض، مما لا يترك مجالا لإعلائهم وإضفاء ضرب من القدسية عليهم، كما أصبح سب الصحابة لبعضهم البعض يتم تحت رعاية السلطة السياسية وبدعم منها. والأخطر من كل ذلك هو توظيف الأحاديث والمرويات في هذا الصراع الطاحن، لعل هذا ما يفسر اعتراض الخوارج على ناقلي وكاتبي النصوص الحديثية، ونقد المعتزلة لهم، كما أن حدة الخطورة ازدادت عندما لبست ثوبا عقائديا بين الشيعة أنصار علي والسنة أنصار معاوية؛ لأن كل طرف كان يبحث عن النصوص التي تدعم موقفه السياسي. ومن أجل تحقيق تلك الغاية سيظهر وضع الأحاديث والتدليس فيها.

يبدو من ذلك، أن المعركة كانت أوسع من الخلافات الفقهية والكلامية؛ لأنها كانت معركة صراع على صياغة قوانين الذاكرة الجمعية للأمة؛ أي قوانين تشغيل تلك الذاكرة وصياغة الآليات التي على أساسها تنتج المعرفة بغية التحكم وفرض السلطة والمحافظة عليها. من هنا يمكن أن نفهم أن إرادة المعرفة هي إرادة للهيمنة، وأن الإجماع الذي تحول من كونه آلية لفهم النصوص وبناء الأحكام ليصبح نصّا قائما بذاته، يخدم تلك الهيمنة ويقوي من حضورها وفاعليتها.

إن الخطابات الرسمية، الحديثية أو الفقهية، المُنتجة في دائرة الصراع، كانت تنحو منحى إقبار ثقافة الاعتراف ورفض وجودها أو الحيلولة دو إشاعتها على فرض وجود بعض بوادرها. فمنطق الصراع المرتبط بالفتنة الكبرى كان يستبطن إلغاء المخالف والمغاير بوصفه عدوا يهدد استقرار الجماعة مما يستوجب القضاء عليه. ولعل هذا ما يقود إلى القول إن الغيرية المفقودة هي الوجه الأكثر دلالة على غياب الاعتراف.

تظهر استحالة الاعتراف في فرض التماهي مع المؤتلف ورفض المختلف، أو في سيادة المؤتلف وإقصاء المختلف. ثم الاحتكام إلى أحادية التصور وأحادية الحقيقة التي تُلغي التعددية والتنوع والثراء على مستوى المواقف والاجتهادات. وأضف إلى ذلك كله، فرض مدونة نصية واحدة تتمتع بسلطة ثقافية مطلقة تستمدها من سلطة الحاكم الغالب.

3. الإجماع وصور الاعتراف:

في حقيقة الأمر، كان المجتمع العربي والإسلامي يتميز بالثراء الفكري الذي تعكسه الآراء الفقهية والكلامية؛ بمعنى أن الاختلاف كان واقعا لا يرتفع. بيد أن الفقهاء نحتوا مفهوما جديدا به يُحسم الخلاف في اتجاه فرض نظام فكري واحد وإقصاء ما يغايره، وهو مفهوم الإجماع. هذا المفهوم الذي انشغل الشافعي بالتأسيس والتنظير إليه في مجمل رسالته. فهذا الإجماع الافتراضي، وحتى الإجماع السكوتي، كما تصوره الشافعي وغيره من الأصوليين، قاد إلى حجب الاختلاف القائم فكريا وفقهيا في الواقع، كما قاد أدى إلى استحالة تأسيس الاعتراف بين المختلفين الذين فُرض عليهم الإجماع. في حالة ما قاوموه؛ أي الإجماع، فإنهم سيتهمون بالخروج عن جماعة المسلمين وشق عصا الطاعة، وسيتعرضون لأحكام قاسية كالتكفير والزندقة مما يجعل دماءهم وأعراضهم وأموالهم مُستباحة. وإن السبب في ذلك هو انتقال الإجماع من مجال أصول الفقه إلى مجال أصول الدين حاملا معه دلالته الدينية إلى مجال السياسة، وبذلك أصبح الفكر السياسي جزءا من أصول الدين؛ أي جزءا من العقيدة. ومن ثم، فإن كل خروج عن ذلك الإجماع هو شق لعصا الطاعة وخروج عن الحاكم.

إن كان بالإمكان التسليم بالإجماع من جهة حجيته الشرعية، ومن جهة إمكانية وقوعه، بغض النظر عن الرافضين له، فلا يمكن التسليم به من جهة حجيته السياسية. فدعوى الإجماع فيما يتعلق بقضية الإمامة “غير صحيحة ولا مسموعة، سواء أرادوا بها إجماع الصحابة وحدهم، أم الصحابة والتابعين، أم علماء المسلمين، أم المسلمين كلهم”؛ لأن التسليم بحجية الإجماع سياسيا تستبطن اللجوء إلى العنف والقتل لفرض الحاكم أو الخليفة، ومن هنا شرعنة الفقهاء للحاكم المتغلب بالسيف.

إن تبني الإجماع كموقف فقهي وسياسي، وكآلية منهجية أصولية في استنباط الأحكام، يعكس مفارقة عميقة بقيت راسخة في البنيات الذهنية العربية الإسلامية منذ القديم إلى الآن، تمارس نفوذها وسلطتها في كافة المجالات. فالقدماء يُسلمون أن الاختلاف أمر وقع منذ السلف الأول، وفي نفس الآن، ظلوا متمسكين بأن الحق إنما هو اتجاه واحد لا غير من بين كل الاتجاهات. ولعل هذا ما يفسر الحديث الطويل حول الفرقة الناجية، حيث نجد كل الفرق والنحل والمذاهب تتصارع على احتكار صفة الفرقة الناجية وتمنعها عن المخالفين والمعارضين.

إن الإجماع المزعوم أو المفترض، لا يستطع أن يُلغي واقع تعدد المذاهب الفقهية والفرق الكلامية، ولا أن ينفي تنوع الاجتهادات والتأويلات لنفس النص. وكل ما في الأمر، أنه قد تم توظيفه من طرف سلطة المتغلب لفرض الحقيقة الواحدة التي تسند سلطته وتدعم مشروعيته.

ينحو الإجماع إلى تأسيس الاعتراف القائم على المطابقة والتجانس، وهذه هي خاصيته التي يكون عليها في المجتمعات التقليدية والمنغلقة. في حين أن الأصل هو أن يتم تأسيس الاعتراف على قاعدة الاختلاف والمغايرة، وتلك ميزته في المجتمعات التعددية. بقوة الإجماع، الذي تحول من إرادة المعرفة إلى إرادة القوة، تحقق الاعتراف بالشبيه والمماثل، بمعنى تأسيس الاعتراف المشروط بالموافقة على السلطة القائمة وعلى الأيديولوجيا التي تتبناها، وإن كل من خالف هذه السلطة أو ايديولوجيتها يكون مصيره الإقصاء والإبعاد، بل قد يصل الأمر إلى التعذيب والنفي والسجن والقتل. وهذا ما كان مصير الكثير من الفقهاء والفلاسفة والمتكلمين والمتصوفة.

4. محنة الاعتراف:

إن الصراع الدائر في المجال السياسي، انتقل إلى دائرة المعرفة، كما أن إرادة المعرفة تحولت إرادة للسياسة، حيث إن الفقيه أو المتحدث أو المتكلم تحولوا في كثير من الأحيان إلى أدوات خادمة للحاكم المتغلب ومدافعة عن مشروعية سلطته، ومنخرطة في دوامة الإقصاء المتبادل بلغة عقائدية تُكفر المخالف وتبيح دمه.

هناك عدة نماذج من التاريخ العربي الإسلامي تعكس هذا الوجه البشع لغياب الاعتراف وسيادة الإقصاء لغة وممارسة؛ من بين تلك النماذج ما حدث بين المحدثين وعلماء الكلام الذين خاضوا صراعا حادا أدى إلى تحويل التقابل المعرفي الذي تتجادل فيه الوسائل والمناهج إلى تقابل عقدي يخضع لمقولات الإيمان والالتزام بطاعة الله. وفي هذا السياق عمد المحدثون إلى وصف المتكلمين بورثة إبليس، ووصف أنفسهم بورثة الأنبياء. يؤكد وصف المتكلمين بورثة إبليس غياب الاعتراف بهم من طرف المحدثين والفقهاء. ويرجع ذلك إلى وعيهم بخطورة الخطاب الكلامي الناشئ والسائر نحو تشكيل نظام فكري يختلف جذريا عن النظام الذي أرسوه وتكفلوا بحراسة منطلقاته وشروط استمراره. كما عمد المحدثون والفقهاء إلى وصف علماء الكلام بالموالي والعبيد وأبناء السبايا، وفي ذلك انتقاص من قيمتهم الاجتماعية واحتقار أصلهم والطعن في أنسابهم.

أ. مقتل الجعد بن درهم: الاعتراف المستحيل

كما تعكس واقعة (خلق القرآن) ذلك الصراع الذي تتداخل فيه السياسية والمعرفة، العقيدة والفكر؛ فمن أوائل القائلين بحدوث وخلق القرآن نلفي الجعد بن درهم، وكان قصده من ذلك توحيد الله وتنزيه عن الصفات البشرية، فتم اتهامه بالتعطيل، مما أدى إلى قتله. فلما اشتهر أمره بين المسلمين، طلبه أمير العراق خالد بن عبد الله القسري حتى ظفر به. وحين كان يوم عيد الأضحى، خطب الأمير في الناس قائلا: يا أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فأني مضح بالجعد بن درهم، فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا، تعال الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.

وردت قصة مقتل الجعد بن درهم في الكثير من كتب التاريخ وكتب الفتاوى بنفس الصيغة تقريبا، مع اشتراكها في التعاطف مع القاتل وإدانة المقتول، باعتباره كافرا ومعطلا للصفات الإلهية. إنها لم تعر أي اهتمام لتلك الصورة البشعة التي ذُبح بها الجعد يوم العيد، بل ذهبت لتسويغ ذلك الفعل شرعيا وسياسيا. وإن تلك المصادر جعلت من ذاتها تعبيرا عن شعور جماعي يبتهج بعملية الذبح، ويضيق بالرأي المخالف والمغاير، ويجعل من الاعتراف مطلبا مستحيلا.

ومن مكر التاريخ، أن مقولة خلق القرآن التي كانت تهمة تقود للقتل والذبح، ستصبح (إيديولوجيا) للدولة؛ إذ إن الخليفة المأمون، ذا النزعة الأرسطية، وجد في الاعتزال التعبير الديني عن تلك النزعة. وعمل على نشر الفكر الاعتزالي بسلاح قوة السلطة السياسية، ومن بين تلك الأفكار مقولة خلق القرآن. ومن المفارقات الغريبة هنا، هو أن المعتزلة الذين كانوا يرفضون الجبر الديني، وافقوا على الجبر السياسي وإكراه الناس على الاعتقاد في خلق القرآن. ومن هنا نستشف أن قوة السلطة عندما تسود على الفكر والمعرفة، فإنها تجعل من (العقل) أداة للقمع والقهر ورفض الاعتراف.

إن المأمون والمعتصم والواثق، خلفاء الدولة العباسية، عملوا على امتحان أهل الحديث وفقهاء السنة بسبب رفضهم القول بما تقوله الدولة من (خلق القرآن). مما أدى إلى قتل الكثير منهم وتعذيب آخرين بصورة بلغت منتهى القسوة من الشدة والعنف، ولكن ما لبث أن تغير الوضع عندما تخلى الخليفة المتوكل عن القول بخلق القرآن، واستغنى عن المعتزلة مما جعلهم موضوعا للقمع والإرهاب والقتل؛ لأنهم كانوا يُعتبرون من طرف خصومهم هم المدبرون للمحنة، والقائمون على تنفيذها، والمسؤولون عنها جملة وتفصيلا. وإن كانت هناك عدة تأويلات تنفي عن المعتزلة تلك المسؤولية.

ب. صلب وحرق الحلاج: الاعتراف المشروط

إن المصير الذي انتهي إليه المتكلم الجعد بن درهم، سيكون نفس المصير الذي سيواجهه الصوفي الحسين بن منصور الحلاج، الذي عانى ما لم يعانيه أحد من المتصوفة “أُتهم واضطهد وسُجن، وعُرضا مصلوبا مرة أولى لمدة ثلاثة أيام، ثم بقيّ مسجونا ثماني سنوات محبوسا في بغداد، يُقاد من سجن إلى آخر، إلى أن تحتم مصرعه، بعد أن تم جلده، وقُطعت أعضاؤه، وتم صلبه، وقطع رأسه، وتحريق جسمه، وذر رماده”. فهذه المأساة مبثوثة بين طيات الكثير من كتب التاريخ الإسلامي، تترك فينا جرحا بليغا عند قراءتها واستذكار وقائعها.

إنها لبشاعة إنسانية أن يُقتل الشخص بسبب أفكاره، وتجربته الروحية، وتأويله لآيات القرآن. لقد كان صك اتهام الحلاج خليطا بين ما هو ديني وسياسي، ومشفوعا بفتوى الفقهاء الذين أباحوا دمه رغبة في الانتقام من شخص كان يدين بدين الحب.

تحمل هذه المأساة في طياتها موقفا فقهيا رافضا لكل ما هو صوفي. إن أغلب الفقهاء، عبر التاريخ الإسلامي، وخاصة المُشبعين بالفكر السلفي، يرفضون الاعتراف بالتصوف، ويعتبرونه زندقة وانحرافا عن المنهج القويم والمحجة البيضاء والفهم السليم للدين حسب اعتقادهم. هذا التصور الذي يجد صداه في فتاوى ابن تيمية “من اعتقد ما يعتقده الحلّاج من المقالات التي قتل الحلّاج عليها، فهو كافر مرتدّ باتفاق المسلمين؛ فإنَّ المسلمين إنَّما قتلوه على الحلول والاتحاد، ونحو ذلك من مقالات أهل الزندقة والإلحاد، كقوله: أنا الله، وقوله: إله في السماء وإله في الأرض”. هكذا فإن فتوى الفقيه قتلت المتصوف بيد الحاكم ومباركة الكثير من الرعية.

إن الحلاج الذي كان ديدنه (لقد صار قلبي قابلا لكل صورة)، كان معبرا على الاعتراف بالآخرين بغض النظر عن طبيعة ودرجة الاختلاف القائم بينه وبينهم. لقد كان أفق الفقهاء ضيقا جدا، لا يقبلون المخالف لهم، ويرفضون الاعتراف به، وينتصرون بالحكام للقضاء عليهم.

ج. نكبة ابن رشد: الاعتراف الناقص

لم يسلم أهل الفلسفة من المحنة، لقد واجه العديد من الفلاسفة في الحضارة العربية الإسلامية نفس مصير المتكلمين والمتصوفة، وخير دليل على ذلك نكبة فيلسوف قرطبة أبي الوليد بن رشد.

أصدر الخليفة الموحدي يعقوب المنصور منشوره/فتواه أو صك اتهامه، الذي يتهم فيه ابن رشد بالانحراف عن الدين وإشاعة الضلالة بين عموم المسلمين لتبدأ نكبته. إذا كان ظاهر صك الاتهام دينيا، فهو في باطنه سياسي أو تحركه دوافع سياسية، خاصة وأن بداية نكبة ابن رشد تزامنت مع تأليفه لكتاب (جوامع سياسة أفلاطون)، والذي استغله الخصوم للإيقاع بينه وبين الخليفة الموحدي. فهذا الأخير أصدر أمره القاضي بإحراق كتب ابن رشد بشكل خاص وكتب الفلسفة وعلومها بشكل عام، كما فرض عليه الإقامة الجبرية لمدة سنتين في قرية نائية، وبعد العفو عليه، عاد لمراكش ليموت بعد سنة.

بعد موت ابن رشد، ودفنه في مراكش، يصدر قرار بترحيل جثمانه إلى قرطبة مسقط رأسه، وإن ذلك القرار يحمل دلالتين متناقضتين: “يمكن تأويل هذا القرار بأنه تكريم للفيلسوف، وطريقة للاعتراف بقيمته، وتشريف ذكراه. غير أنه من وجهة نظر أخرى، يمكن الاعتقاد بأن جثة ابن رشد لم يكن منظورا إليها بوصفها منبعا للكرامات والنعم، فلم يُحتفظ به في الأرض الإفريقية، وطُرد من جنوب المتوسط، وفي القبر الذي ظل فاغرا، يُقال إنه دُفن به الوالي أبو العباس السبتي”.

هكذا، بعد الحظوة والمكانة عند الخليفة الموحدي، ينتهي مصير ابن رشد إلى المحنة والنفي بفعل أسباب يمتزج فيها الديني والسياسي. إن دولة الغلبة التي كان يحيا فيها ابن رشد، البعيدة كل البعد عن المدينة الفاضلة التي تحدث عنها في كتابه (جوامع سياسة أفلاطون)، ضاقت درعا بالفيلسوف والفلسفة، فلم يتم الاعتراف بهما، أو تم الاعتراف بهما اعترافا منقوصا ومتأخرا بعد وفاة ابن رشد.

تم اضطهاد ابن رشد بسبب أفكاره، وتم تأليب العامة عليه بتأجيج مشاعرهم الدينية ضده، حيث إنهم قاموا بطرده من جامع قرطبة. وعاش أواخر حياته المحنة. فلم يشفع له أنه كان يجمع بين الفقه والقضاء والفلسفة، لأن حسابات السياسة والسلطة عمياء لا تعترف إلا بمن يخدمها ويدافع عن مشروعيتها، وتطحن في رحاها من ينتقدها ويروم تقويمها.

إن محنة العلماء والفقهاء والمتكلمين والفلاسفة والمتصوفة، هي وجه من وجوه محنة الاعتراف في الحضارة العربية الإسلامية، والتي ترجع في أغلب الأحيان إلى سيادة الدوغمائية والوثوقية وادعاء امتلاك الحقيقة، والأدهى من ذلك كله ادعاء التوقيع والحكم باسم الله. وبشكل عام، إن محنة المثقفين في الحضارة العربية الإسلامية هي تعبير صريح عن محنة المختلف والمغاير، ومحنة المجتهد الذي يروم الإصلاح والتدبير القويم والراشد لأحوال الأمة.

5. الاعتراف والمقابسات: الاعتراف المتبادل

تمثل المقابسات نمطا من المحاورة العلمية والفلسفية التي تروم المشاركة في المعرفة وتقاسمها بين المحاورين. يشارك فيها الفقيه والمتكلم والمنطقي والفيلسوف والنحوي والأديب، كما كان منهم المشارك في كل هذه الألوان من الثقافة بنصيب.

ويتميز هذا النمط المعرفي بطابعه اللانسقي، إذ لم تكن تحتوي على أبحاث منظمة في قضايا محددة، بل إن القضية الواحدة قد تتم معالجتها في أكثر من مقابسة، كما قد تتسم معالجتها بالتناقض والتعارض من مقابسة إلى أخرى. كما كان يخلو ذلك النمط المعرفي من أي مجهود إبداعي.

يرتبط فكر المقابسات بالقرن الرابع الهجري، الذي تميز عن غيره من القرون السابقة عليه أو اللاحقة له، حيث تكمن أصالته في انبثاق حركة إنسية، التي كانت من صنع جيل كبير شهد لمعان بعض الشخصيات العبقرية، كما شهد تيارا إنسانيا وعقلانيا مدهشا قبل أوربا بسبعة قرون. وكان التوحيدي إحدى تلك الشخصيات التي انتفضت وثارت باسم الإنسان من أجل الإنسان.

من الناحية السياسية، كان القرن الرابع الهجري عصر اللامركزية (عصر إمرة الأمراء) و(الدول المستقلة)، عصرا خاليا من أي (مشروع) ثقافي أو سياسي للدولة ككل، فأصبحت كل إمارة، بل صار كل ذي جاه وسلطان، يزين مجلسه بالعلماء والكتّاب والأدباء والشعراء. فظهرت فئة من المستهلكين للثقافة الآخذين من هنا وهناك، ‹‹المتقابسين›› الحريصين على المشاركة في كل أصناف العلوم والمعارف.

في هذا المناخ الفكري والسياسي ازدهرت المقابسات التي عبرت بقوة على التنوع والاختلاف الذي كان يميز الحضارة العربية الإسلامية، إذ أن المتقابسين على اختلاف اهتماماتهم المعرفية، بل الدينية والعرقية، عاشوا في جو من الحرية الفكرية والتسامح الديني قل نظيره.

ويرجع ذلك إلى سيادة روح إنسية وعقلانية بين مثقفي ذلك القرن، جعلت من الإنسان محورا مركزيا، ومن الدين إطارا حضاريا جامعا بعيدا عن كل توظيف (إيديولوجي) لإقصاء المخالف وتهميشه.

ومن هنا أمكن القول إن القرن الرابع الهجري كان عصر الاعتراف المتبادل، أو أن مكوناته الثقافية المنتمية إلى حقول معرفية متنوعة كالفقه والمنطق والنحو وعلم الكلام والفلسفة والتصوف اعترفوا ببعضهم البعض جاعلين من المعرفة فضيلة كبرى يتشاركون في إنتاجها وتقاسمها.

يمكننا أن نستشف مما سبق بسطه بخصوص فكر المقابسات، وبخصوص القرن الرابع الهجري، أن العلاقات الإنسانية والمعرفية عندما تتأسس على نظرة دينية تجعل من العقيدة مرجع الحكم على الآخرين، تجعل الاعتراف مستحيلا. ونفس الأمر عندما يتم النظر إلى تلك العلاقات من زاوية الموقف السياسي، القرب من السلطة السياسية أو معارضتها، فإن الاعتراف يستحيل وجوده أو يكون ناقصا. في حين أن الاعتراف المتبادل يكون ممكنا عندما يتم تأسيس العلاقات الإنسانية على أسس إنسية وعقلانية.

6. الاعتراف والمناظرة:

ارتبطت المناظرة إبان نشأتها في سياق الحضارة العربية الإسلامية، بأصول الفقه وأصول الدين، وبالنقاشات العقلانية الدائرة حول قضايا عقائدية وكلامية وفلسفية ونحوية ومنطقية، وهي عبارة عن حوار متبادل بين فريقين من المتحدثين يمثلان اتجاهين مختلفين حول قضية معينة، ويسعى كل منهما إلى إثبات وجهة نظره، والدفاع عنها بشتى الوسائل العلمية والمنطقية، واستخدام الأدلة والبراهين وصولا إلى إقناع الجمهور، وحتى الطرف الآخر في المناظرة بمصداقية موقفه.

ازدهر فن المناظرة في العصر العباسي وأصبح من أهم الفنون النثرية التي كانت محل إعجابٍ، ونالت تقدير الكثيرين على اختلاف طبقاتهم، إذ احتدمت المجادلات الكلامية الواقعة بين الفلاسفة والمفكرين والعلماء والفقهاء على اختلاف توجهاتهم في مختلف القضايا العلمية والمذهبية. ومن مظاهر ازدهارها ظهور صنف من الخطابات تقر بالمناظرة منهجا فكريا مثل خطاب التهافت وخطاب التعارض وخطاب الرد وخطاب النقض، والتي تستند كلها إلى منهج جدلي في تحصيل المعرفة.

إن أصول المناظرة وأخلاقياتها تحمل بعدا قيميا مداره الأساس هو الاعتراف بالآخر بوصفه مناظرا ومحاورا ومساهما قادرا على المشاركة في بناء المعرفة وتبليغها، وقادرا على صوغ خطاب حجاجي يؤكد على نسبية الحقيقة.

فلا أحد من المتناظرين يدعي لنفسه امتلاك الحقيقة ويحرم مناظره منها، وإنما هي ما يتم بناؤه بالحوار والتناظر.إن المناظرة بوصفها وجها من وجوه العقلانية الحوارية، تجعل من الاعتراف بالآخر أصلا من أصولها، بل شرطا لانعقادها؛ فما لم يتم التسليم باختلاف المناظر وتعارضه، فلن تنعقد تلك المناظرة، ولن يتحقق الهدف المنشود منها. وإننا لنجد في مقابسات أبي حيان التوحيدي خير تعبير عن ذلك.

على مدار مائة وست مقابسة، يرتحل أبو حيان التوحيدي بين أصوات متعددة تنتمي إلى صنوف المعرفة المتنوعة، يسجل الحوارات والمناظرات والمناقشات التي كانت تروم تقاسم المعركة والمشاركة في بنائها، والتي كانت تعبر عن روح جماعية مشبعة بالتسامح والإيمان بالتعدد والاختلاف، والتي كانت تجسد الاعتراف من خلال الممارسة.

إن الحضارة العربية الإسلامية لا تخلو من الاعتراف، ولا تتنكر له، أو تُبخس من قيمته. بل كانت تجعل منه قيمة وسلوكا حاضرا في كثير من حقبها التاريخية، وظاهرا في العديد من جوانبها الاجتماعية، بيد أن تاريخ الحضارة العربية الإسلامية لم يكن يسير على نفس الوتيرة، بل كانت تتخلله أوقات عصيبة يسود فيها القتال والصراع عن السلطة، مما كان يؤدي إلى غياب الاعتراف وفقدان التسامح.

إن مقابسات التوحيدي مُشبعة بروح فلسفية تسري في كل مناظراتها ومحاوراتها التي تتوخى الدفاع عن قيم إنسانية نبيلة وإشاعتها بين العموم من خلال المعرفة والفكر. كما أنها معبرة عن موقف الفلسفة من الاختلاف والتعدد، فلم يُسجل على الفلاسفة المسلمين الدعوة إلى قتل المخالف لهم أو إجباره على الاعتقاد أو قبول ما يرفضه ولا يقتنع به. في حين أن الكثير من الفقهاء، وحتى بعض الفرق الكلامية، سلكت مسالك تتعارض كليا مع ثقافة الاعتراف.

تركيب:

إن صور الاعتراف التي أشرنا إليها، الاعتراف المستحيل والاعتراف المشروط والاعتراف الناقص والاعتراف المتبادل، تعكس تلك العلاقة الجدلية بين الدين والسياسة من جهة، والعلاقة الجدلية بين السياسة والمعرفة من جهة ثانية. وبشكل عام تعكس تلك العلاقة المتوترة بين إرادة المعرفة وإرادة السلطة.

إن البنيات الثقافية والاجتماعية حين تخضع لهيمنة ذهنيات فقهية منغلقة مدعومة بأنظمة سياسية متسلطة، لا تقبل التعدد والاختلاف في الرأي، في الفهم والتأويل، فإنها تمنع كل أسباب الاعتراف. وتحت نفوذها يستحيل تقبل المخالف والمغاير معرفيا وفكريا، بل تدينه وتبيح القضاء عليه بكل الصور الممكنة حتى أكثرها دموية وعنفا.

علاوة على ما تقدم، يمكن القول، إن ما نعيشه اليوم من انغلاق وانسداد ثقافي وسياسي، هو في جزء كبير منه موروث عن بنيات نفسية ومعرفية وتاريخية موروثة لا زالت تمارس علينا سلطتها المرجعية، وترهن حاضرنا لواقع التخلف الحضاري.

إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية في حاجة ماسة للتشبع بثقافة حقوق الإنسان والإعلاء من قيم الاعتراف والتسامح والإيمان بالتعدد والاختلاف وإشاعة السلم وتبني الديمقراطية نظاما ورؤية في تدبير الشأن العام.

لإبراهيم مجيديلة.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate