حداثة و ديمقراطية

الثقافة الديمقراطية(٢)

العنصر الثاني بطاقة الهوية التاريخية والاجتماعية للديمقراطية او الهوية العامة للديمقراطية

1- الديمقراطية هي بنت تمازج الروحين العلمية والتحررية

ليست الديمقراطية وحدها بل الازمنة الحديثة برمتها هي بنت هذا التمازج بين روح العلمية وروح التحرر وبداية النهضة الاوربية كانت تتشكل بهاتين الروحين والحداثة كانت انفتاح حقل الممكنات التاريخية نتيجة تمازج هاتين الروحين .

بداية عصر النهضة كانت ثورة ورفض للنزعة السكولائية والتي كانت تهتم بالاهوت بعيدا عن المعرفة الطبيعية والواقعية اي انها كانت دراسة كتب وشروح الكتب وشروح الشروح ولم تكن تدرس الواقع الاجتماعي والتاريخي والسياسي ولا الواقع الطبيعي .

فالعلم الحديث كانت بدايته عملية انعتاق تاريخي ولم تكن مجرد اكتشافات علمية معرفية وكل معركة كان يخوضها العلم الحديث كانت اضافة الى التراكم المعرفي وكانت اذانا بافول عالم تاريخي برمته واذان بميلاد جديد .

وان نشات العلم الحديث مرتبط بالحرية وان النجاحات العلمية كانت تشكل بنيات الوعي والعقل العلمي وهي كانت تعيد انسجة عقل الامم عبر النجاحات للعلم في قرون عديدة وهذه النجاحات في بعض مجالات العلوم اكتسحت مجالات اخرى وشيئا فشيئا اصبحت كل مجالات الحياة علوم ومعرفة وان الروح العلمية التي تغلغلت في كل شئ ستطال الشان السياسي .

وتم اعادة السؤال القديم كيف نعالج ادواء الشان السياسي او كيف نعالج امراض الشان السياسي .معالجة الشان السياسي سيعالج من خلال بعد معرفي ولو لا البعد المعرفي لما كانت الديمقراطية ممكنة وهذا البعد يكمن في تلك الاضافة لقانون الفعل الانساني حيث يتغير بتغير سلمه اي بالانتقال من سلم للفعل الى اخر ويتغير قانون الفعل من الفعل الفردي الى الفعل الجماعي السياسي فالفعل الجماعي السياسي ليس فعلا فرديا واذا كانت الاخلاق تنفع في تخليق الفرد وفي توجيهه توجيها سليما في الحياة فان هذا الامر لا ينفع في معالجة الشأن السياسي لأنه بكل بساطة يمكن ان ياتي حاكم ذو اخلاق ومواصفات عالية ويقوم بنوع من الاصلاح والعدل ويذهب ويأتي من بعده حاكم لا يملك هذه المواصفات فتعود الامور الى ما كانت عليها اذن المعول عليه هنا ليس المواصفات العالية للحاكم .

ان الانتقال من الفعل الفردي الى الفعل الجماعي السياسي تدخل مفاهيم جديدة منها مفهوم المؤسسة وقانون العلاقات القانونية بين المؤسسات ومفهوم المصلحة العامة ومفهوم الزمن السياسي .

اذن فمعالجة الداء السياسي الجماعي لا يمكن ان تكون معالجة اخلاقية بل معالجة عبر مؤسسات وقوانين ودستور ولو لا هذا الاكتشاف لما كانت الديمقراطية ممكنة .والمعالجة المؤسساتية القانونية الموضوعية تكون بتقسيم السلطة على نفسها وتحد من السلطات بعضها ببعض الاخر والتي تمنح في هذا كله سلطة للمجتمع تتجسد عبر دستور وعبر ارادة عامة ولو لا هذا التحول المعرفي لما كانت الحداثة السياسية ممكنة .

2- الديمقراطية هي بنت الحرية اي هي بنت نمط من الحياة موجه نحو تحرير الممكن التاريخي .

سؤال الحرية مرتبط بسؤال الممكن والامكان ففي ثقافتنا نفهم الحرية فهما سطحيا حيث نظن ان الحرية هي الادارة والتنمية والتي هي احدى دلالات الحرية السياسية او ان الحرية هي كل دوائر المباح من زاوية الفقه في حين ان سؤال الحرية منذ الازمنة الحديثة الى حد الان مرتبط بسؤال الممكن والامكان وبدون استيعاب هذا البعد الرئيسي من الفهم لا يمكن ان نكون قد فهمنا الحرية كقيمة منشئة ومؤسسة للأزمنة الحديثة .

الانسان كائن ذو ممكنات اي يمكن ان يصير الى غير ما هو عليه بمعنى ان الله خلق الانسان وخلق فيه الاستعداد لتسخير الكون وهذا الاستعداد له افق مفتوح فكان في بدايته يستخدم الحجر والنار للصيد ويستخدم ادوات فلاحية بسيطة الى ان وصل الى ما نحن عليه اليوم ولايزال الافق مفتوح والله جعل للإنسان استعدادات كفرد وكجماعة وامة وحضارة وخاصية القراءة والتخلق وتسخير الكون كلها خاصيات مفتوحة للإنسان يمكن ان تكون جسرا له للولوج الى الممكن والامكان والديمقراطية تنتمي الى روح الحرية ولحقل الامكان .

فالديمقراطية تعني انتماء للحرية:

ان الحاجة للنمو والتطور لا تمثل من البداية في شكل معرفة مؤسسة ومنظمة وعميقة في تاريخ البشرية لا تمثل في البداية الا كسلب الا كعدم رضا بالمعلوم ونوع من الاستشعار المبهم للمجهول هكذا يمثل الابداع وهكذا يمثل الجديد ثم اذا تهيات لها الظروف والفرصة والامكان يتشكل حتى يكتسب شكله النهائي .

الامكان هو مظهر من مظاهر الحرية الانسانية او انه عمق الحرية الانسانية فالانسان كائن حر لان له ممكنات ولو كان كائنا بدون ممكنات فهذا يعني انه كائن فاقد للحرية الكئنات الاخرى ليس لها ممكنات فهدايتها كرهية وليس لها هداية طوعية ( الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى ) فهدايتها والياتها كرهية ولهذا تعتبر التحكم والهيمنة في قلبها وفي جوهرها وفي عمقها عملية تحكم بسقف ممكنات الاخريين وان الهيمنة على المستوى الدولي يعني تحكم دولة في ممكنات دولة اخرى وهي من ترسم سقف ممكنات تلك الدولة .

والانسان عندما يشعر بان قدراته مشلولة وانه عاجز وانه مكبل وانه لا يستطيع ان يفعل شئ هذا الاحساس هو احساس بفقدان الحرية وهو احساس بالعجز والانسان بقدر ما تزيد امكانياته وقدرته بقدر ما تزيد حريته وبقدر من ان مجال الممكن امامه مفتوح وواسع وانه اقدر على فعل شئ للتاريخ وعلى ترك اثر والوعي التاريخي منذ نشأته والى اليوم يحمل هذا العمق فالوعي التاريخي له علاقة وطيدة بالحرية وبالممكنات فالوعي التاريخي له القدرة على تحويل الزمن الى قوة للتحرر.

يتحدث د. محمد الأحمري عن فكرة مهمة وهي أن العلاقة بين الحرية والعدالة علاقة سببية فبوجود الحرية توجد العدالة ولا يمكن أن توجد عدالة بدون حرية ولذلك ينقل الأحمري عن ريمون بولان عبارته ((العدالة غير ذات معنى ولا وجود لها إلا بالحرية , ومن أجل كائنات حرة ..العدالة والحرية ليستا بقيمتين مستقلتين لأن الحرية هي موضوع العدالة الأول , والعدالة هي اسم النظام بين الكائنات الحرة ..ومن المحال الاختيار بين العدالة والحرية , إن الحرية من دون عدالة غير ذات معنى , وهي تصبح اعتسافا , والعدالة من دون حرية خلو من الإنسانية وهي تصبح ظلما .

العنصر الثالث ثقافة الديمقراطية كقيم سياسية لتحرير الممكن اي فحص وتحليل القيم السياسية للديمقراطية

*القيم السياسية الكبرى للديمقراطية او الديمقراطية كمنظومة قيم سياسية وثقافية

الديمقراطية هي خطوط حراكي كبرى اي حركيات ثقافية جعلت انتاج القيم السياسية الحديثة وبنات الوعي السياسي الحديث ممكنا وبدون هذه الخطوط والمسالك والحراك الثقافي ما كان يمكن تشكل القيم السياسية للديمقراطية وهذه القيم السياسية الكبرى هي الوعاء السياسي لنمط اجتماع موجه نحو تحرير الممكن

هناك ثلاث مصادر او منابع او موارد يتم من خلالها تشكيل القيم السياسية والاجتماع السياسي في الغرب:

ان القيم السياسية للديمقراطية والتي تعتبر وعاء لنمط وجود اجتماعي موجه نحو تحرير الممكن اربعة وكل منها تتفرع الى منظومة قيم فرعية

اولا- القيمة الاولى الكبرى للحداثة السياسية وللديمقراطية كثقافة لا كمجرد الية ومسطرة هي

القدرة على تحديد وتشخيص ومواجهة الرذائل السياسية والتي هي بمثابة مفاعلات كبرى للانحطاط الانساني وقد واجهتها الازمنة الحديثة مواجهة معرفية على درجة عالية من الدقة بتشخيصها كامراض وانتاج الدواء لها مواجهة نقدية حاولت استئصالها من جذورهاان اهم هذه الرذائل السياسية الكبرى والتي تعتبر مفعلات الانحطاط الانساني هي

1- ما يمكن ان نسميه بحق القوة والتي نجح الانسان الغربي القضاء عليها داخل مجتمعه وانتقل الى حقل اخر هو قوة الحق عبر الديمقراطية.

2- القدرية السياسية لم تكن الديمقراطية ممكنة لو لا القضاء على هذه الرذيلة والمقصود بالقدرية السياسية ( الاستسلام وفقدان الامل وانه ليس في الامكان احسن مما كان ) هي اليأس من التغير وفقدان الامل والحلم فالحداثة السياسية ولدت الثقة على قجرة الانسان على التغير وقابلية المجتمع على الاصلاح ولكن بشرط ان يعثر من الناحية المعرفية على مفاتيح التغيير.

3- الفكار الانقسامية والفتنوية والتي هي ادى المفاعلات الكبرى لانحطاط الانساني فالانسان داخل الفتنة يفقد القدرة على السمع والرؤية ويفعل بالاخرين ما يملي عليه هواه ويفقد الابصار وحينها نكون قد قضينا على التعايش السلمي.

4- الرذيلة السياسية الرابعة والاخيرة والتي تتولد منها جميع الرذائل وهي الاستبداد والتي تعرف على انها الاستعباد فالاستبداد مقرون بالاستعباد والاستعباد هي اخراج الانسان من ادميته لانها بكل بساطة سلب لكرامة الانسان التي منحها الله اياه وهي استفراغ الانسان من جوهر انسانيته ومن قيمته الانسانية ومن كرامته.

القيم السياسية الكبرى للثقافة الديمقراطية

المقصود بالحياة السياسية للمجتمع هي المؤشرات والدلائل على الحياة الحضارية والثقافية فالمجتمع الحي سياسيا هو المجتمع الحي حضاريا وثقافيا والمجتمع بقدر ما يستوفي الحياة السياسية بقدر ما يستوفي الحياة الحضارية والثقافية والتاريخيةهناك مقومات للحياة السياسية او عناوين ودلالات للحياة السياسية او تعنى نسميها خصائص الحياة السياسية وهي:

1- الروح فالمجتمع الحي سياسيا

تسري فيه الروح وتسري فيه الفكرة الحية الموقظة المنهضة والتي هي بمثابة الروح التي بها تحيا الامم فالذي يحيي الامم والشعوب هي الافكار واذا اردنا ان نعرف اجل امة من الامم فعلينا ان ننظر الى طبيعة الافكار التي تروج وتنشر في المجتمع.

2- حركة المجتمع اي انه لا وجود لحياة سياسية داخل مجتمع ساكن لا شئ فيه يتحرك

فالمجتمع المتحرك هو مجتمع يمتلك اليات المقاومة والاحتجاج وانضاج مطالبه والافصاح عنها اما بطرق قانونية او بفرضها على السلطة والمجتمع الذي لا يملك القدرة على المقاومة او على الاحتجاج او الافصاح عن مطالبه والتعبير عنها والحفاظ على الاسباب الحيوية للحراك السياسي فهو مجتمع ساكن ميت.

والمجتمع الحي سياسيا هو مجتمع قادر على تحويل ازماته وصعوباته التي يعيشها الى محطات نمو فالمجتمع الحي لا تطحنه الازمات ولا تغلبه لان له اليات واسعة وثقافة اجتماعية وسياسية قادر على مواجهة تلك الازمات وحتى لو عجزت السلطة فالمجتمع قادر على ذالك عبر مؤسسات المجتمع المدني.

والمجتمع المتحرك هو مجتمع منفتح لحركية السلب ولمختلف الصيغ حيث يكون الاصغاء من واجبه امام حركة الاحتجاج والتعبير والافصاح عن المطالب لان كل كل مظهر من مظاهر الاحتجاج والرفض هو بمعنى حاجة حقيقية للمجتمع وبه يتحقق النهضة والتطور

ويمكن ان نظيف على المجتمع المتحرك التنظيم المتحرك والحزب المتحرك وكل هؤلاء ان لم يصغو الى مطاليب المجتمع ولمظاهر الرفض والاجتجاج والقلق والتوتر فلا تطور ولاتقدم نحو الامام

3- القدرة على تصحيح الذات

فالمجتمع الديمقراطي هو مجتمع قادر على تعديل البوصلة وقادر على تصحيح المسار وتعديل الوجه وان فقدان الحرية وفقدان الديمقراطية كمنظومة قيم هو فقدان للقدرة على التوجه الصحيح وان انهيار وسقوط الكثير من الدول كان بسبب عدم قدرة المجتمع تصحيح الوجه بسبب دكتاتورية النظام وان من مميزات المجتمعات الغربية انها باستمرار تنقد الضواهر السلبية عبر دراسات علمية صادرة عن مراكز دراسات متخصصة ترصد الضواهر السلبية داخل المجتمع وتضعها اما اصحاب القرار لتعديل الوجه وتسمى هذه العملية بالضبط الذاتي او التصحيح الذاتي وضبط الوجه.

اما المجتمع الذي يفقد الية النقد الاجتماعي والسياسي والبحث عن الاسباب والعلل والامراض والتي يمكن ان تنشا داخله فهو مجتمع فاقد للقدرة على التوجه وعلى التصحيح الذاتي وضبط البوصلة حتى ياتي يوم وينهار هذا المجتمع.

4- القدرة على بناء قيم تنظم الحقل السياسي وتضمن استمرارية الديمقراطية كمحرك يضبط بوصلة التوجه وتصحيح الذات وهذه القيم هي

1- الشرعية وهية شرعية الكيان السياسي وشرعية السلطة السياسية

أ- شرعية تولي الحكم

ب- شرعية الاداء والانجاز فلا يكفي ان يفوز الحاكم بالانتخابات لكي يحكم بل عليه ان يكون اداءه للحكم جيدا يكون في خدمة الناس لكي يحصل على كامل الشرعية

تتطلب الديمقراطية وجود درجة عالية من الشرعية السياسية لأن العملية الانتخابية الدورية تقسم السكان إلى معسكرين “خاسر” و”رابح”.

لذا فإن الثقافة الديمقراطية الناجحة تتضمن قبول الحزب الخاسر ومؤيديه بحكم الناخبين وسماحهم بالانتقال السلمي للسلطة وبمفهوم “المعارضة الموالية” أو “المعارضة الوفيّة”.

فقد يختلف المتنافسون السياسيون ولكن لابد أن يعترف كل طرف للآخر بدوره الشرعي، ومن الناحية المثالية يشجع المجتمع على التسامح والكياسة في إدارة النقاش بين المواطنين.

وهذا الشكل من أشكال الشرعية السياسية ينطوي بداهةً على أن كافة الأطراف تتشارك في القيم الأساسية الشائعة.

وعلى الناخبين أن يعلموا بأن الحكومة الجديدة لن تتبع سياسات قد يجدونها بغيضة، لأن القيم المشتركة ناهيك عن الديمقراطية تضمن عدم حدوث ذلك.

إن الانتخابات الحرة لوحدها ليست كافية لكي يصبح بلد ما ديمقراطياً: فثقافة المؤسسات السياسية والخدمات المدنية فيه يجب أن تتغير أيضاً، وهي نقلة ثقافية يصعب تحقيقها خاصة في الدول التي إعتادت تاريخياً أن يكون انتقال السلطة فيها عبر العنف.

وهناك العديد من الأمثلة المتنوعة كفرنسا الثورية وأوغندا الحالية وإيران التي إستطاعت الاستمرار على نهج الديمقراطية بصورة محدودة حتى حدثت تغييرات ثقافية أوسع وفتحت المجال لظهور حكم الأغلبية.

2- الاختلاف وادارة المجتمعات المختلفة

الغرب لم يتمكن من بناء مجال حديث للاختلاف الا عندما قضى على الافكار الانقسامية والفتنوية واعطى للاختلاف منزلة سياسية وثقافية ومعنوية واعتبرها خطوط توتر منتجة لقيم جديدة او اضافية وفاتحة لافق وامكانيات جديدة

3- التحويل العميق لطبيعة السلطةفالسلطة السياسية لم تعد السلطة الاساسية بل تحولت الى سلطة وظيفية والسلطة الاساسية تحولت للمجتمع والسلطة الاساسية في المجتمع هي سلطة الافكار والقيم داخل المجتمع فالسلطة الاساسية والحقيقية هي لسلطة التدافع والحراك داخل المجتمع واما السلطة السياسية فهي سلطة وظيفية لا سلطة اساسية فليس من حق السلطة السياسية ان تقرر للناس عقائدهم ولا ان تختار لهم القيم الكبرى الا في الحدود الذي يرضونه هم وهذا التحول العميق في طبيعة السلطة يجب ان يجسده مبدا كبير هذا المبدا هو ان السلطة حكم بين الخصوم وليست محكمة للحقيقة فالسلطة لايجوز لها الانحياو لطرف على طرف اخر داخل المجتمع وهي ليست سلطة لتحزيب الوظائف السياسية على حساب الكفاءة او على حساب العدالة والمساواة في الفرص.

يذكر الدكتور محمد حامد الأحمري مناقب الديمقراطية في الفصل السابع من كتابه الديمقراطية الجذور وإشكالية التطبيق للحديث عن مناقب الديمقراطية كإحياء مسألة المصلحة العامة, وجعلها في صميم اهتمام الأفراد.

فالفرد في المجتمع الديمقراطي مسؤول عن اختياره، وتقيميه وإمكانية إبقاء او عزل قادته, ويستطرد متحدثا عن مزايا المجتمع الديمقراطي ويصفه بأنه مجتع حيوي يشارك الفرد فيه بالشأن العام, وأن الديمقراطية تجعل عين المرء على مستقبل كل شيء, فهو ليس ابن اللحظة الحاضرة فقط مع ما لها من أهمية بل له اهتمام زماني مستقبلي, فالحياة في المجتمع الديمقراطي تُقيّم بخطة الأعوام القادمة المرسومة للفرد الحاكم وحزبه.

كما أن للفرد في المجتمع الديمقراطي أخلاقه المحسوبة مستقبليا, سواء بسبب المنفعة المقدرة للقادم, أو بسبب الأعراف العامة التي تجبر الفرد على المشاركة من خلال دفع الضرائب وتجعله يتعقب ماله, ويطمح أن تؤدي إلى تحسين مستوى حياته.

ويمضي موضحا فاعلية المجتمع الديمقراطي مقارنة بمجتمع مسلم غير ديمقراطي, ويورد مثالا بمستوى المصلحة الجماعية والأخلاق لهذين المجتمعين, لتشاهد النصوص الإسلامية التي تحث على المصحلة الجماعية ميتة في المجتمع المسلم غير الديمقراطي, وترى عكس في المجتمع الديمقراطي, وهذا يعود بأن الفرد في المجتمع الديمقراطي يرفع من مستواه الأخلاقي ومن مزاج الجمال والذوق لكونها مسؤولية يتوزعها الأفراد عبر مؤسساتهم هم, وليس عبر ما يتوهمون أنها مؤسسات الحاكم ومنافعه الذاتية, مع أنها ليست كذالك, ولكن الاستبداد كما يشير يلقى مسؤولية محاسن ومساوئ المجتمع على شخص واحد هو الحاكم, فلا يقوم الفرد حتى بمصلحته ومسؤوليته لأن كل شيء سوف يعزي للحاكم ولو كان شيئا تفاها, فيتحمل الفرد الحاكم قذارة البلد الحسية والخلقية وتستند إليه ويحاسب عليه في الوعي العام, وأن هذا من أساليب الحيل النفسية للمجتمع المقموع, فيرفضون حتى ما يهمهم ويفيدهم لأنه قد يفيد الحاكم المستد ولو للدعاية, فيصبح قرار الضرر عاما للجميع, بسبب عدم المشاركة في تقرير المصلحة العامة والقرار العام.

ويؤكد بأن الحاجة الى الديمقراطية هي الحاجة الى الأمن والاستقرار, كما تمنح المواطنين المسؤولية الفردية, وهذا ما جعل بعضهم يرى أنه ما تمّت مواجهة بين أمة ديمقراطية وأخرى مستعبدة إلا انتصرت الأمم الديقمراطية الحرة, وينقل تعليقا لـ “هيردوت” في فائدة الديمقراطية حيث يقول فيها ” إن الإثينين كانوا ولا فضل لهم من جاورهم في الشجاعة أيام خضوعهم للطغاة, فما أن نفضوا عنهم نيرهم حتى تقدمو الى الرعيل الأول بين المجتمع, وتبين من هذا أنهم رضو بالهزيمة حتى كانو مقهورين يعملون للسيد المسلط عليهم, فلما ملكو زمامهم حرص كل منهم على ان يبذل غاية ما وسعه لنفسه.

العنصر الرابع ملاحضات عامة ودراسات نقدية للديمقراطية:

ينتقد ألان تورين في كتابه:«ماهي الديمقراطية» القداسة التي صارت تزحف نحو المفهوم في تأسيسه الغربي، غير أن ما يفعله تورين في البدء هو محاولة التعرف إلى المفهوم، وتجاوز تعريفه كحكم للأغلبية، أو كمقابل للديكتاتورية، فالديمقراطية كذلك لا يمكن أن تنهض على القوانين وحدها، بل ينبغي تأسيسها أيضاً على تطور التربية السياسية التعددية، وعلى قلق ما حيال العنف، فضلاً عن مفهوم حديث للمساواة.

إن كثيراً من الأسئلة تصاحب هذا المسعى نحو إدراك كنه هذه الديمقراطية وفيه يحاول تورين تعريف المفهوم على نحو إيجابي، فهو يرى أنّ الديمقراطيّة نظام من التوسّط الدائم بين الدولة والعناصر الناشطة اجتماعياً، الهدف المتناثر في هذه المؤلفات وما شابهها من مقالات وحوارات لتورين، يبحث في شروط جديدة لمجتمع جديد، وهو التفكير الذي ألمّ بالكاتب في حال تأمله للأزمة الأوروبية في أعقاب الأزمة المالية وتبعاتها والتساؤلات التي طرحتها، وإمكانية استخراج طرق تبحث في حلول للأزمة الفكرية السائدة التي مست عصب المجتمعات الأوروبية الحديثة خاصة تلك المتعلقة بالسوق والتعليم وأزمة البطالة، وغيرها من سلسلة كوارث جاءت كتجل لتلك الأزمة الكبيرة.

يضع الكاتب إشارة في غاية الأهمية عندما يتناول العداء القائم بين الثورة والديمقراطية، بدلاً من أن تمهد إحداهما الطريق أمام الأخرى، وكيف أن العالم قد صار، بعد أن أعيته الدعوات إلى التعبئة العامة، قانعاً بما تيسر من السلم والتسامح والراحة، فاختصر الحرية حتى باتت مجرد اتقاء لشر السلطة والتعسف، وربما أن فكرة اللاعنف جعلته يطرح في سياق هذه الدراسة سؤاله: إلى أي مدى صارت العملية الديمقراطية مهددة بعدم التسامح دينياً، أو إثنياً أو قومياً؟، ويبحر الكاتب عميقاً في التاريخ من أجل الإجابة، ومن أجل التحرر من الأوهام، والكاتب يقدم تفنيداً لكثير من الأفكار الزائفة التي سادت والتصقت بجسد المفهوم، وهو يعمل على تحريره لأجل إعادة الاعتبار للمفهوم في كونه قد درج الناس على الجمع بين الديمقراطية والتحرر من قيود الجهل والتبعية والتقاليد، وسعي الإنسان نحو التحرر من المطلقات وأيديولوجيات الدولة، حتى لا يعود خاضعاً إلا لسلطان الحقيقة ومقتضيات المعرفة.

يخوض الكاتب في مسألة الحد من سلطة الدولة، والتي يطالب بتحديدها بمزيد من الوضوح، إذ إنها قد تفضي في النهاية إلى استشراس سلطة أرباب المال والإعلام، بل إن الحد من السلطة السياسية قد يؤدي إلى تفكك المجتمع السياسي وتقهقر السجال السياسي، بحيث نصل إلى وضع تتواجه فيه سوق أممية واحدة من جهة، وهويات منكفئة على ذاتها من جهة أخرى دون وسيط بينهما، وهنا تكمن نقطة مهمة جداً، نجد آثارها ماثلة الآن بعد صعود التيارات القومية في أوروبا وبروز موجة العداء للاجئين والمهاجرين، وأخيراً تتوجت بفوز دونالد ترامب برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، ونلمس هذه النقطة في إشارة تورين غير العابرة إلى الدولة القومية التي أنشئت في بريطانيا الكبرى وفي الولايات المتحدة الأمريكية وفي فرنسا، والتي كانت قبل كل شيء مجموعة من الحلقات الوسيطة بين وحدة القانون أو العلم وتنوع الثقافات، وكيف يمكن أن تنحل في محلول السوق أو أن تتحول على العكس من ذلك إلى قومية متماهية مع ذاتها لا تعرف التساهل ولا التسامح، بحيث ينتهي بها المطاف إلى فجيعة التطهير العرقي وإلى الحكم على الأقليات بالموت والتهجير والاغتصاب والتشريد.

وهكذا أيضاً تتفتت الساحة السياسية وتتدهور الديمقراطية وتضيعان بين الاقتصاد وأبعاده العالمية وبين تلك الثقافات التي تنطوي عدائياً على ذاتها وتسعى إلى تعددية ثقافية مطلقة مثقلة برفض الآخر، فتتقلص الديمقراطية حتى تصبح في أحسن أحوالها، سوقاً سياسية منفتحة نسبياً، لكنها لا تجد أحداً يتمتع بجرأة الدفاع عنها، لأنها لم تعد موضوعاً لأي استثمار ثقافي أو عاطفي، وما ذهب إليه الكاتب هنا يوفر مقترحاً ربما لحلول ثقافية من داخل المنظومة نفسها لا يقطع معها، لكنه يدعو إلى القلق على مصير العالم بقوة، فالقراءة المتوفرة في الكتاب تستند على وقائع موضوعية وكذلك على استقراء رؤيوي صدقه مسار الأحداث على صعيد أوروبا والولايات المتحدة، لنعيش الآن في قلب الأزمة.

ويعالج الكاتب أيضاً قضية، هل الديمقراطية بالفعل هي حكم الأكثرية؟، أم أنها إلى جانب ذلك هي ضمانات الأقلية، والكاتب يدعو إلى عمل عياني ملموس، يسعى إلى الجمع بين قانون الأكثرية واحترام الأقليات، وإلى عملية استيعاب المهاجرين ضمن شعب معين، وإلى إيجاد طريقة تمكن النساء من الوصول بصورة طبيعية إلى موقع القرار السياسي، وإلى الحيلولة دون حدوث القطيعة بين الشمال والجنوب، ويطرح الكاتب الكثير من الأسئلة حول خطر التباعد المتعاظم بين وسائل السوق والعالم التقني من جهة، وعالم الهويات الثقافية المغلقة من جهة أخرى، وكيفية السبيل إلى دمج وحدة الأول بتبعثر الثاني، دمج الروافد المتعددة بالاتجاه الواحد، الموضوعية بالذاتي؟ وكيف السبيل إلى إعادة تركيب هذا العالم الذي يتطاير شظايا، سواء من الناحية المجتمعية أو من الناحية الجغرافية والاقتصادية؟.

وفي مسعى دؤوب يلفت الكاتب إلى أن إعادة التركيب المذكورة ينبغي أن تتم قبل كل شيء على صعيد القوة المجتمعية الفاعلة، فرداً كانت هذه القوة أو جماعة، كما ينبغي أن يتم على الصعيد نفسه دمج الفعل الوسائلي الذي لا مفر منه في عالم قائم على التقنيات والتبادلات، ويشير تورين إلى أن إثبات وجود الذات الفاعلة لا يتم في فراغ مجتمعي، بل يقوم على النضال ضد منطق الأجهزة المسيطرة، إنه يقتضي شروطاً مؤسساتية تشكل تعريف الديمقراطية بذاتها، ويفضي إلى امتزاج التنوع الثقافي عبر انضواء الجميع تحت وحدة القانون والعلم وحقوق الإنسان، والكاتب يضع اعتباراً خاصاً ومركزياً لفكرة الذات الفاعلة والصلة التي تربطها بثقافة الديمقراطية، وذلك من خلال ارتباط الفلسفة الأخلاقية والفلسفة السياسية.

الديمقراطية السياسية تبقى ناقصة بدون ديمقراطية اجتماعية. الأولى تهتم بمصدر السيادة والسلطة وحقوق المواطن السياسية ومساهمته في الانتخابات وتشكيل الأحزاب وإبداء الرأي ونشره… أما الثانية، والتي لها أولوية على الديمقراطية السياسية، فتهتم بتحسين أوضاع المواطن المادية، عن طريق مبدأ العدالة الاجتماعية من حيث توزيع خيرات البلد على كل المواطنين لأن للمواطن حق شرعي بنصيب عادل منها.

فالمساواة بين الأفراد في المجتمعات المنظمة تستند بشكل أساسي على هذه العدالة الاجتماعية. فأفراد الشعب المنبوذين والفقراء وقليلي الثقافة، لا يمكن أن يساهموا بشكل جدي في الحياة السياسية التي تتطلب معرفة بأمور الدولة وتسييرها وأمور السلطة ومداخلاتها.

أولويات هؤلاء الناس هي لقمة العيش وليست السياسة. الحقوق الاجتماعية ضرورية لاعتبار الإنسان غاية في ذاته يجب احترامه ومساعدته على العيش الكريم. لأن هدف التنمية والتقدم في الدولة هو حرية المواطن ورفاهيته.

الديمقراطية الاجتماعية تسهل مشاركة المواطنين في العمل السياسي بشكل فعّال لأنها تسد حاجاتهم المادية وتعيد لهم اعتبارهم وكرامتهم وبهذا يصبح للديمقراطية بشطريها معنا واقعيا ومتكاملا. في حال تأخر الديمقراطية الاجتماعية، من الضروري رغم ذلك تحريك الديمقراطية السياسية ، لأن أي توعية سياسية، ولو كانت في حدود ضيقة، تساعد الناس على معرفة مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية.

فإشراك الناس في العمل السياسي يحرك كثيرا من طاقات كامنة فيهم للمطالبة بمجتمع أكثر عدالة. ربط أنصار المذهب الليبرالي بين الديمقراطية و فكرة الحريات الفردية و هذا المذهب هو نظرية في السياسة و الاقتصاد كما ذهب إلى ذلك ماكس فيبر و أصحابها ينظرون إلى العمل السياسي من زاوية المشاركة السياسية و حق المعارضة و هذا ما عبر عنه هانري مشال بقوله (الغاية الأولى للديمقراطية هي الحرية) و من الناحية الفلسفية ترتبط الديمقراطية السياسية بفلسفة التنوير تلك الفلسفة التي رفعت شعار (لا سلطة على العقل إلا العقل) و تجسدت هذه الفكرة بوضوح في فلسفة هيقل الذي قال:(الدولة الحقيقية هي التي تصل فيها الحرية إلى أعلى مراتبها ) و القصد من ذلك أن جوهر الديمقراطية قائم على حرية إبداء الرأي و احترام الرأي المخالف وواجب السلطة هو حماية الحريات المختلفة ( السياسة و الاقتصادية و الاجتماعية و الفكرية)و في هذا السياق تظهر أفكار سبينواز الرافضة لفكرة التخويف التي تعتمد عليها الأنظمة الاستبدادية و هو يرى أن السلطة الحقيقية هي التي تحمي حرية الفكر و تضمن المشاركة السياسية للأفراد و من الناحية التاريخية تعتبر الثورة الفرنسية 1789 في نظر رجال الفكر و التاريخ أكثر الثورات التي حملت لواء الديمقراطية السياسية و خاصة دفاعها عن المساواة السياسية كما ذهب جفرسون في صياغته للدستور الأمريكي إلى المطالبة الحكومات الديمقراطية بحماية حق الأفراد في الحياة و التفكير و يمكن القول أن الديمقراطية السياسية تتميز بجملة من الخصائص أهمها :

حرية الصحافة بجميع أشكالها و كذا تبني خيار التعددية الحزبية و الحق في المعارضة السياسية ،و ترقية و حماية الحريات الفردية المختلفة و الدفاع عن حقوق المرأة و الطفل باعتبار الإنجاب الوسيلة الوحيدة للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها كل هذه المبادئ، اختصرها كليسونفي مقولته:

إن فكرة الحرية هي التي تحتل الصدارة في الإديولوجيا الديمقراطية و ليست المساواة.

إن قدرة الأحزاب على استيعاب البعد الاجتماعي للمشروع السياسي يساعد على التقدم أكثر نحو الديمقراطية في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد, أو العولمة, فإنه يبرر صعود نجم الأحزاب الليبرالية وخصوصا الجديدة أو اليمينية منها في الساحة السياسية الغربية والأوروبية, ويعود السبب إلى أن تلك الأحزاب باتت جزءا لا يتجزأ من الديمقراطية الليبرالية التي تدفع نحو الملكية الفردية وحرياتها أي نحو التراكم المطلق وغير العادل لرأس المال في الدول الصناعية, لكن رغم هذا الصعود لتلك الأحزاب فإنه لا تزال أحزاب الديمقراطية الاجتماعية عنصر قوة وبدأت بعضها يستعيد مجده في بعض دول أوروبا.

إن ما واجهته الدول الأوروبية والغربية بعد الحرب العالمية كانت أزمات اجتماعية تتمثل في البطالة والفقر والعوز وهو ما دفعها إلى تبني هذا البعد الاجتماعي في الديمقراطية, فالديمقراطية كانت موجودة بنسب متفاوتة في تلك الدول, وكل ما تم تبنيه قوانين مجتمعية تندمج مع النظام الديمقراطي العام وتتعايش معه.

أما في دول الديمقراطيات الناشئة التي لم تكتمل دورتها بعد فإن ما تحتاجه اجتماعيا هو ما يساعدها على تحولها نحو الديمقراطية, ولا يعني ذلك أنها لا تحتاج إلى قوانين في البطالة والتأمين والعدالة مثلا, وإنما الحاجة التي نعنيها هنا هي الحاجة الاجتماعية المرتبطة الصلة بشكل النظام السياسي المنشود, وهذه الحاجة هي أبسط أبجديات الاستقرار الاجتماعي وهو السلم الأهلي والاجتماعي.

يختبر تزفيتان تودورف برؤية الفيلسوف اللحظة التي غدت فيها الآثار المنحرفة للديمقراطية تُهدّد وجودها في حدّ ذاته.

وهكذا يتناول في الكتاب الديمقراطية المريضة في العصر الراهن، داعياً إلى القيام بما وصفه بـربيع أوربي على غرار الثورات العربية.بموازاة مع ذلك، صرّح بأن العدو يكمن بداخلنا نحن..

فالديمقراطية في الغرب باتت مريضة بسبب المبالغة التي تحيط بها، وحذّر من أن التهديد الأساسي للغرب يكمن في التوجهات الجديدة التي تتزايد داخل المجتمع مثل كراهية الأجانب والنزعة الوطنية المفرطة والليبرالية المتوحشة، كما يرى أنّ العصر الحالي يشهد عدة عوامل تضرُّ بالديمقراطية مثل هيمنة الجانب الاقتصادي الذي بات يُشكِّل الأولوية على حساب السياسي، وأنّ وسائل الإعلام صار لها نفوذٌ قويّ.

يتعرّض تزفيتان تودوروف لمشكل الديمقراطيّة، ويذكر أنّ الديمقراطيّة الغربية تشهد انحرافات جديدة ومتزايدة داخل المجتمع، باتت تهدّد الديمقراطية، مثل النزعة الوطنية المفرطة، وكراهيّة الأجانب، ونفوذ وسائل الإعلام، والليبراليّة المتوحّشة وهيمنة الجانب الاقتصادي على الجانب السياسيّ.

فالأخطار المحدقة بالديمقراطيّة والمهدّدة لوجودها أصلاً، لم تعد متمثلة في الخطر الخارجي المتمثّل في الإرهاب الناتج عن التطرّف الديني أو في وجود أنظمة دكتاتوريّة مثل الفاشيّة والشيوعيّة، خاصّة بعد زوال الأنظمة الكليانيّة نهاية الحرب الباردة، وسقوط جدار برلين (1989)، بل في جملة من المخاطر الداخليّة التي تتمثّل في الأعداء الذين أفرزتهم، إنّهم يمثّلون أبناءها الذين نشؤوا من رحمها، لكنّهم غير شرعيين.

يكتب تودوروف في الفصل الأوّل (قلق في الديمقراطيّة، من أعداء الديمقراطيّة الحميميون”إنّ الديمقراطية أفرزت بنفسها القوى التي بات تتهدّدها، ومن مستجدّات زمننا أنّ هذه القوى تتفوّق على تلك التي كانت تهاجمها من خارج.

وسيكون من الصعب على القوى التي تحاربها والتي تعمل على تطبيعها أن تستدعي الروح الديمقراطية، ومن ثمّة تمتلك مظاهر الشرعيّة”.لقد باتت الديمقراطيّة في الغرب مريضة، تُحتضر على حدّ تعبير تودوروف بسبب المبالغة التي تحيط بها: مبالغة في الحريّة، مبالغة في التقدّم، مبالغة في إعطاء الحكم للشعب.

لذلك لا يخفي تذمّره منها، لكونها صارت مخيّبة للآمال ومتناقضة مع نفسها، رغم استحضاره لتجربة العيش ضمن دول كليانيّة ومعاينته للفرق بين الأنظمة الكليانية والأنظمة الديمقراطيّة.ولعلّ الغريب في الأمر هو أنّ الديمقراطيّة صارت مهدّدة من الداخل، “فعدوّ الديمقراطيّة كامنٌ فينا نحن”. ذلك أنّ “أعداء الديمقراطيّة الحميميون” ينشؤون عن الآثار القاسية التي تأتت من حاجة عميقة إلى الديمقراطيّة:

الخطر الأوّل متأتٍّ من مطلب التقدّم، فتتحوّل الرّغبة في الدّفاع عن التطوّر والتقدّم إلى روح صليبيّة، الخطر الثاني هو الليبراليّة المتطرّفة المتأتّية من المبالغة في الحريّات الفرديّة، فتتحوّل الحريّة إلى طغيان للنظام الرأسماليّ الذي أصبح يهدّد رفاهيّة الجسد الاجتماعيّ.والخطر الثالث متأتٍّ من التحديد المفهومي للديمقراطيّة على أنّها “حكم الشعب”، فالشعب هو المحدّد لماهيّة الديمقراطيّة، لكن من تنقصه الفطنة في التمييز بين القرارات هو الذي يمثّل خطراً على الديمقراطيّة، فينخرط الشعب انخراطاً مباشراً في القرار تحت تأثير العاطفة وبعيداً عن العقلانيّة، ولعلّ حادثة إعدام سقراط استجابة لرغبة شعب أثينا وتحت تأثيرات البلاغة السفسطائية خير دليل على ذلك، وهذا الخطر يسميّه تودوروف الشعبويّة.

فكيف تنجب الديمقراطيّة أعداءها الحميميين؟ ذلك هو وجه المفارقة، ولماذا تصبح الحريّة من جهة كونها قيمة من القيم الأساسيّة للديمقراطيّة عدوّاً خطيراً للديمقراطيّة نفسها؟ لماذا يفسد علينا هذا الشغف الديمقراطيّ أموراً كنّا عيّناها مطالب كونية مثل الحريّة والإرادة والتقدّم؟إنّ الشعب، والحريّة، والتقدّم هي العناصر الأساسيّة المكوّنة للديمقراطيّة.

لكن إذا أفْلَتَ عنصر من هذه العناصر وانشقّ عن البقيّة ليصبح مبدأ منعزلاً ومتفرّداً، فإنّه يتحوّل إلى خطر يداهم الديمقراطيّة من الدّاخل، فإنّنا نتحدّث حينها عن “الأعداء الحميميين للديمقراطيّة”.

يبدو أنّ مخاطر الديمقراطيّة متأتية من فرضيّة عزل أو تمييز أحد مكوّناتها، فما يجمع بين هذه المخاطر الملتصقة بها على اختلافها هو حضور صورة من صور الإفراط والتطرّف والمغالاة.لقد كان أعداء الديمقراطية من الخارج، ممّن يرفضون مبدأ الديمقراطيّة نفسه، ويدعون إلى استبدالها بشيء آخر يزعمون أنّه “أسمى”، ففي الدول التي تحكمها دكتاتوريات فاشية (إيطاليا، كرواتيا، إسبانيا، البرتغال) كان هؤلاء يزعمون أنّ الديمقراطية أصابها الإعياء والوهن، وأنّ هذا النظام لم يعد يستجيب للتطلّعات الشعبيّة.إلاّ أنّه حتى الدول التي لم تكن تعرف هذا المخطّط الفاشيّ (السياسي-الإيديولوجي)، كان هناك نوع آخر من التوليتارية يتمثل في أحزاب مهمّة من اليمين المتطرّف، كما هو الحال في فرنسا وبلجيكا.

وبعد الحرب العالمية الثانية نمت دكتاتورية أخرى مختلفة تمثلت في التهديد الذي كان قادماً من أوروبا الشرقيّة، من أنظمة شيوعيّة تجسّدها الكتلة الشيوعيّة. ومنذ سقوط الإمبراطورية السوفياتية، تولّد في أوروبا الشرقيّة فكر يرى فيما حدث انتصاراً هادئاً للديمقراطية، في حين أنّها لم يعد لها أعداء خارجيون معلنون صراحة، بل أعداء حميميون.

من هم أعداء الديمقراطيّة؟

العدوّ الحميميّ الأوّل: وهو ما اصطلح على تسميته بـ”مطلب التقدُّم”، الذي يخصّص له تودوروف كامل الفصل الثالث من كتابه أعداء الديمقراطيّة الحميميون.

يبدو هذا المطلب ملازماً للمشروع الديمقراطي نفسه، لأنّ الديمقراطية ليست حالة ترتّبت، مبدئيّاً، عن وضعية موجودة سلفاً، فهي لا تخضع لفلسفةٍ محافظةٍ، ولا لفكرٍ إرغاميّ، ولا تسعى للحفاظ على ما هو موجود سابقاً أو لاحترام التقاليد دون قيد أو شرط. كما لا تستند على كتاب قديم مقدّس كنوع من القانون الذي يجب دائماً تطبيقه بكيفيّة خاصة.

وبطبيعة الحال، فإنّ هذا العامل من المتطلّبات محمودٌ في ذاته، إلّا أنّ ما تمَّ في مراحل معيّنة من الديمقراطية هو أنّها كانت تنشط من اعتقاد أكثر رسوخاً يتصوّرها حاملة لأفضل المنافع ويعتبرها إذّاك من المشروعيّة أن تُفرض على الآخرين بالقوّة، بما فيها الجيوش.

ويستحضر تودوروف ما حدث مثلاًفي ليبيا، وقبل ذلك بسنوات في العراق أو في أفغانستان. إذ يبدو أنّ التطلّع للتقدّم -وهو أحد المبادئ المميِّزة للديمقراطية- يصير مصدر دمار للدول التي لا تتقاسم مع الدول المتقدّمة “تقدّمها الديمقراطيّ” ذلك هو وجه المفارقةً.

فيتراءى لها الشرّ هُنا خيراً، ويكون الشرّ غواية للخير، كما جاء في عنوان أحد كتب تودوروف السابقة، ذاكرة الشرّ، غواية الخير الصادر سنة 2000 .

العدوّ الحميميّ الثاني: وهو الليبراليّة المتطرّفة، ويذكر تودوروف أنّ هذا الخطر يأتي، وبشكلٍ مُفارقٍ أيضاً، من أحد أروع مظاهر الديمقراطية ومكاسبها الأساسية، وبالأخصّ الديمقراطية الليبرالية، وهو: الدفاع عن الحرية الفردية؛ وذلك لأنّ الديمقراطية لا تكتفي بالدفاع عن سيادة الشعب، وإنّما تحمي كذلك حرية الفرد، حتى من التدخُّل المفرط من هذا الشعب نفسه.

لذلك، فإنّ الديمقراطية الليبرالية مختلفة عما كُنّا نسميه أحياناً، تحت أنظمة ستالينية، بـ”الديمقراطيات الشعبية” التي كانت تُجرّد الفرد من كلّ استقلالية. تُسمّى الديمقراطيّات الحديثة ليبراليّة عندما تضيف لمبدئها الأساسيّ مبدأ ثانويّاً، هو حريّة الأفراد.

فيظلّ الشعب صاحب السيادة، لكنّه لا يحترم حدود الفرد الذي يكون سيّداً في مملكته.

ذلك أنّه لا يمكن تنظيم الحياة في المجتمع وفق مبدأ وحيد: فسعادة الجماعة لا تتوافق مع سعادة الفرد.

نتحدّث حينئذ عن ضربين من الاستقلالية: استقلاليّة الجماعة أو الشعب واستقلاليّة الفرد. فلا ينبغي على الفرد فرض إرادته على الجماعة، كما لا يتدخّل الشعب ككلّ في الشؤون الخاصّة بالمواطنين حتىّ تنشغل الديمقراطيّة.

بفكرة تحسين دائم للنظام الاجتماعيّ، وإن كانت الشوائب معطى مميّزاً لكلّ واقع اجتماعيّ.

لكن المشكل داخل ديمقراطياتنا الليبرالية يكمن في أنّ الاقتصاد الذي هو ثمرة المقاولة الحرّة لدى الأفراد، قد حلّ بهذا الاعتبار محلَّ السياسة وصارت تحكمه سلطة الربح، وهو ما مثّل أحد الآثار المنحرفة للمبادرة الفردية غير المراقبة، وقاد بشكل حتمي إلى أن يستولي الأكثر غنىً على الأكثر فقراً.

وبإيجاز، فقد أصبح هذا النمط من الليبرالية، ترتيباً على ذلك كلّه، شكلاً آخر من السلطة المستبدّة: فقد ألحق طغيان الرأسمالية الضرر بحماية الشعب عبر الدولة. إنّ هذا الجاذب للكسب الفردي بات يُهدّد رفاهية الجسد الاجتماعي بأكمله.

العدوّ الحميميّ الثالث: هو الشعبويّة، وهي بمثابة قفا الديمقراطية المقلوب، ذلك أنّ الديمقراطيّة في معناها هي “حكم الشعب” وتتعلّق باستشارة الشعب، فمن البدهي أنّ الديمقراطية بدون الشعب ليست ديمقراطية؛ غير أنّ “الشعبوية” تمثّل عَقَبة كَأْدَاء في بحث انخراط الجماهير الشعبية انخراطاً مباشراً وكُلّياً، إذ في الغالب تتّفق على ما يصلح، وفق التحريك الوسائطي الأكثر مبالغةً وسهولة، وتهدف إلى أن يتخذ جزءٌ من هذه الجماهير نفسها القرار تحت تأثير العاطفة وخارج كلّ عقلانية.

وهكذا فمن تنقصه فطنة التمييز بين القرارات الهامّة قد ينشئ خطراً حقيقيّاً. للعمل الجيد لكلّ ديمقراطية تليق باسمها، من خلال الفصل العادل والمناسب بين السلط (التشريعية، التنفيذية، القضائية). لقد صار المثال الديمقراطي مثالاً خائناً وفاسداً، وإن كان ذلك عن حسن نيّة.

إنّ ديمقراطيّة اليوم مريضة، وعلّة مرضها هو دلالها لأبنائها الثلاثة: الحريّة، والتقدّم، وسلطة الشعب: هي مريضة بعناصر القوّة التي قامت عليها. إنّها مفارقة عجيبة: كيف يكون العدوّ هو الحميم أي الصّديق المرافق لنا دوماً؟ كيف يكون هذا الحميم حمّى لا تزول، يرافقنا كظلّنا، فلا نستطيع التخلّص منه ففي اندثاره تقتل الديمقراطية نفسها بنفسها؟ نتذكّر ها هنا قولاً فريداً لأرسطو في الصّداقة والصّديق: “آه يا أصدقائي، ليس ثمّة أصدقاء”، (أخلاق نيخوماخوس). كيف تتحرّر الدّيمقراطيّة ممّا هو حميمي فيها دون أن تسيء إلى نفسها؟

ريناس بنافي

المركز الديمقراطي العربي-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate