ثقافةحداثة و ديمقراطية

أين نحن من الحداثة؟

يسأل كل من القارئين عبد النبي فكري وخالد الحكيم، وإن سجاليا، عن معنى “الحداثة” بعد ورود الإشارة إليها في أكثر من موضوع. وأهمية السؤال تكمن تحديدا في أن الكلام عن الحداثة، مدحا وذما، قلّ أن يبتدئ في الاتفاق على ماهيتها، بل هي غالبا بالنسبة للمتسلح بها وسيلة للطعن بالرجعية المزعومة لدى من يرفضها، فيما هي بالنسبة لناقدها أداة تمييع واستدراج للإطاحة بالإصالة المستهدفة سرا، سواء كانت هذه الأخيرة العروبة أو الإسلام.

وبالفعل فإنه لا تعريف موحدا للحداثة، بل جملة مقومات متداخلة مترابطة، يختار أصحاب التوجهات المختلفة عدد منها لصياغة ما يتناسب مع مواقفهم ويدعمها. ورغم ذلك، يمكن فرز الحداثة إلى شكل، ونظم، وثقافة.فالحداثة من حيث الشكل هي واقع الحال الغالب في عالم اليوم، والذي شهد خلال القرنين الماضيين كما من الاكتشافات والاختراعات يفوق بأضعاف مضاعفة ما حققته الإنسانية على مدى ألوف السنين السابقة.

هي الكهرباء والهاتف وشبكات التواصل الاجتماعي والطبابة وكافة المنتجات والآليات التي لا مناص منها للعيش. وإزاء هذه الإنجازات، يمكن للصين أن تفاخر أنها كانت أولى الحضارات الحاضنة للابتكار، ويمكن للهند أن تستعرض أسبقيتها في الرياضيات، وللعالم الإسلامي أن يعتز بأنه حمل لواء العلم لعدة قرون قبل زهاء ألف عام، ولكن الحقيقة التي لا مفر من الإقرار بها هي أن الحضارة العامة اليوم، بوجهها المادي، هي غربية بامتياز، ومساهمات المجتمعات الأخرى فيها هي بمقدار استيعابها للنظم الغربية وانسجامها معها.

الحداثة في المجتمعات الإسلامية هي بالفعل غير مكتملة، ولكنها كذلك غير قابلة للتجاهل

وللتأكيد، ليس هذا الإقرار من باب الثناء، فالاعتراض قائم مثلا على الجموح الحتمي للاقتصاد الاستهلاكي الملازم للحضارة المعاصرة نحو استنفاد موارد الطبيعة، أو على التطويع القسري لاقتصاد المجتمعات غير المساهمة بما أخرج تراتبية عالمية تتفاوت فيها القدرات والثروات. غير أن هذا الوجه المادي من الحداثة لا مفر منه البتة، فحتى أعتى أعداء الغرب وحداثته يعتمدون على سلاحه وتقنياته ووسائل الاتصال لديه، وإن بقوا على الغالب مستهلكين لماديات الحداثة غير منتجين لها.

ولكن الحداثة طبعا تتعدى الماديات، إذ هي أيضا في النظم التي تؤطر هذه الماديات وتجعل من الاستفادة منها وتصريفها أمرا ممكنا. وهنا أيضا انتشرت الحداثة الغربية لتعم الكوكب برمته. وهنا أيضا المجال مفتوح لمن هو في موقع المعاداة للغرب أن يزعم أن الأخذ بالنظم الغربية، من بنية الدولة ومؤسساتها والخدمات المناطة بها إلى ترتيب المدارس والجامعات والمناهج التعليمية، هو وحسب من باب الاستعارة البناءة لتحسين الأصيل القائم.

أما الواقع فهو أن ما تلا الحداثة، من معاهد ومؤسسات ومستشفيات، قلّ أن اشترك بغير الاسم مع ما سبقها، بل الاسم نفسه مستحدث وملقى إلى السوابق لترقيتها.ولكن الحداثة لا تقتصر على الأبعاد المادية ولا على النظم، بل هذه نتاج لمقومها الثقافي، بتفاعل جدلي تراكمي.

والثقافة الحداثية ليس عقيدة موحدة، بل العقائد المتضادة المتنافرة تتشكل ضمنها. إذ حتى منها التي تشهر رفضها للحداثة ونقضها لها، تدخل في إطار السجال الثقافي التي حددت الحداثة المتدافعة مسائله. فالنقيض الصادق للحداثة ليس الطرح الذي يزعم نقضها، على استحالة الأمر لإحاطتها بالطرح ونقيضه، بل غياب الطرح بشأن مسائلها ابتداء.

وهنا لا بد من التنويه بأن تنظيم “الدولة الإسلامية” بسعيه إلى اجتثاث المسائل المؤطرة حداثيا، أي الفكرية والاجتماعية والثقافية، من الفضاء العام، وحصره المتداول بهامش ضيق من النظر بفروع الأحكام الدينية، كان صاحب المشروع الأكثر جدية لتحدي الحداثة. ولكن المعضلة، بالنسبة لهذا التنظيم، هي أن مشروعه، والمحكوم بالفشل لاعتبارات ذاتية وموضوعية، كان بحد ذاته حداثيا في أسسه ووسائله.أما نشأة هذا الإطار الثقافي الحداثي، فتعود إلى القرن الثامن عشر، والرؤية التنويرية المتشكلة في أوروبا ثم في أميركا، والتي رست على اعتبار للإنسان يجمع ما بين أن الخير من طبعه، وأن الكمال ليس من نصيبه، وعن جدوى التسامح بالتالي كأساس لسلوكه الاجتماعي.

والاستقراء التنويري للحال الإنسانية خرج بالقناعة أن للإنسان حقوق ثابتة، البعض يراها طبيعية والبعض الآخر يعتبرها منة من الخالق، أهمها الحياة والحرية والكرامة، وأن اجتماع الناس أساسه العدالة والمساواة، وأن في اجتماعهم صالحهم، وأنهم من خلال التعقل والتدبير والاعتبار قادرون على إقرار الحق والعدل والسلام.هذه وغيرها من الأفكار انتقلت من الحيز الثقافي إلى الواقع السياسي لتتحدى الاستبداد والأبوية وتنتج نظم الحكم القائمة على سيادة المواطن وخادمية الحاكم، فيما هي تطورت إلى منظومة فكرية قائمة على الحق بالاختلاف وراعية للتقدم العلمي.

ليس من باب الصدفة أن يدرج الآباء المؤسسون للولايات المتحدة الأميركية، كدولة ناشئة، مبادئ الحداثة في صلب نصوصها التأسيسية، من إعلان الاستقلال إلى الدستور وبيان الحقوق، وليس عبثا أن يكون شعار الثورة الفرنسية، وأصدائها على مدى القارة، “حرية، مساواة، أخوّة”. فمع هذه وتلك، تحققت الترجمة العملية للمفاهيم الحداثية. وفي مواطنها الأولى وحيثما انتشرت، بما في ذلك المجتمعات المجاورة للغرب جنوبي المتوسط وشرقيه، كان التعامل معها لا من منطلق أنها اكتشافات ومفاهيم جديدة، بل تعبير جديد وحسب عن حقائق ضمنية.

العديد من القراءات الدينية الإسلامية ترفض الحداثة على أساس عدم استناد مرجعيتها على النص القرآني

طبعا، لا فوقية حصرية للثقافة هنا، بل تفاعل جدلي مع واقع مادي أخرج الثورة الصناعية وأعطى الغرب أفضلية لم تفارقه إلى اليوم. ولا أحادية في التصور الإيجابي، فالحداثة قد أنتجت من صلبها رؤى تعارض أساسها المتفائل المتسامح، بما في ذلك الشيوعية والعنصرية، وصولا إلى “ما بعد الحداثة” والتي تنكر عن الطرح الإيجابي الحداثي إطلاقيته وتقول بأنه وليد التجربة الغربية ولا يمكن تعميمه.

ورغم أن الخلفية الغربية للحداثة مطبوعة بمسعى الانعتاق من سلطة رجال الدين المسيحيين، ورغم إتاحتها المجال للمتابعات العلمية غير المقيدة بالتصور الديني، مثل نظرية النشوء والارتقاء وسبر تاريخ الأرض والكون فيما يتعدى الرضوخ للرواية الكتابية حول قصر عمرهما أو تأويلها المتكلف، ورغم إقرارها بحق المجاهرة باللاأدرية والإلحاد، فإن الحداثة في تصورها الإيجابي ليست نافية للدين. بل، إسلاميا يمكن استشفاف هم مشترك ونتائج متوازية بين مفاهيم الحداثة ومقاصد الشريعة.

غير أن العديد من القراءات الدينية الإسلامية ترفض الحداثة على أساس عدم استناد مرجعيتها على النص القرآني. لا يكفي بالنسبة لأصحاب هذه القراءات أن الحداثة لا تنفي النص ولا تسقطه، بل الاعتراض هو أنها لا تعتمده. وبالفعل فإن الحداثة، والتي تفتقد الصيغة الأحادية، لا تفرض اعتماد النص الديني، ولكنها كذلك ليست بموقع رفض اعتماده.

ولا بد من التنبيه أن هذه القراءات الدينية الرافضة للحداثة لم تستفرد تاريخيا بالتعبير عن الاستيعاب الفكري للدين الإسلامي، بل واجهت على مدى التاريخ الفكري الإسلامي طروحات مناقضة لمنطلقاتها قبل أن يخمد السجال مع أفول الدول الإسلامية وانقلاب موازين الثروة والتجارة والنفوذ لصالح الدول الأوروبية.

بل جاء تلقي الحداثة في الحواضر الإسلامية، في القرن التاسع عشر، إيجابيا رغم الريبة المرتبطة بأنها نتاج خارجي، واستشعر العديدون ومن ضمنهم علماء دين، الانسجام التلقائي بين الحداثة وجوهر الدين الإسلامي. من هنا القول المنسوب إلى رفاعة الطهطاوي أو محمد عبده بعد العودة من الغرب أنه رأى هنالك إسلام دون مسلمين، فيما الحال هنا هو مسلمون دون إسلام. لا سبيل للتأكد من صحة هذا الخبر، ولا ضرورة لذلك، إذ تداوله وحسب يشير كحد أدنى إلى عدم الإجماع على افتراض التعارض. بل كان جليا في معظم الحواضر العثمانية والمصرية والمغاربية أنه ثمة سعي إلى استيعاب للحداثة، شكلا ونظما على الأقل، في اتجاه التدرج للتقدم والرخاء.

أما على مستوى القيم والثقافة، فلا شك أن “النهضة” كانت إشعارا عربيا بأن ما أفصحت عنه الحداثة الأوروبية هو جزء من الموروث المحلي، وإن لم يكن جليا. والتصورات القومية ثم الاشتراكية، ثم الإسلامية، الإخوانية منها والجهادية بل حتى السلفية وإن مع الإنكار، صيغت ضمن الإطار الحداثي، وإن كانت في بعض الأحيان ناقضة له (كما سبق أن فعلت الشيوعية والعنصرية).

وإذا كانت الدولة العربية الحديثة قد اجتهدت بانتقاء ما يناسبها من البنى الحداثية لتعزيز مواقعها، مع المثابرة على تحصين الاستبدادية والأبوية من المساءلة الفكرية التي تتسم بها الحداثة المتكاملة، فإن المؤسسات الدينية الإسلامية انكفأت بدورها إلى ازدواجية مرتبكة. فهي تتفاعل مع مجتمعاتها بحداثية عملية، شكلا وقولا، فيما هي تمتنع عن التطرق إلى الأسئلة الشائكة التي تأتيها من الطروحات الفكرية الحداثية. وبدا هذا الإهمال غير ذي أهمية، إلى أن تلقف تنظيم “الدولة الإسلامية” بعض المضمون النصي المتروك ليجعل منه حجة للسبي والإبادة.

فالسؤال المطروح أمام الفكر الديني هو عن إمكانية التوفيق بين الحداثة والدين من خلال التصدي للمسائل الحساسة العالقة، بما في ذلك مطالب المساواة البينة بين المسلم وغير المسلم، والمساواة الصادقة بين الرجل والمرأة، والحق بالارتداد. والتصدي هنا لا يقتضي التسليم بأية من هذه المطالب، بل قد يكون بالتغليب الصريح للقراءة الدينية المعارضة لها، أو قد يكون باعتماد قراءات أخرى تستوعبها مع الإصرار على المرجعية القرآنية.

الحداثة إذن هي شكل ونظم وثقافة، الدولة العربية اعتنقتها شكلا ونظما وامتنعت عنها ثقافة

المسائل الحداثية مطروحة في عموم المجتمعات الإنسانية، والمجتمعات الإسلامية ليست استثناء. والارتباك الحاصل بشأن هذه المسائل في العديد من الأوساط الثقافية الإسلامية التي تنتهج خطابا فوقيا إزاء مجتمعاتها، هو نتيجة الإصرار على إنكار الإشكالية التي تتسبب بها هذه المطالب، وترهيب من يطرحها، دفاعا عن “ضعفاء النفوس” من العامة، وليس لغياب القدرة النظرية على التصدي لها، لما يتطلبه هذا التصدي من التخلي عن الازدواجية العملية السائدة. بل يبدو العديد من هذه الأوساط تواقا إلى عودة مستحيلة إلى عالم لم تكن هذه المسائل مطروحة فيه أصلا، أي إلى عالم ما قبل الحداثة.

الحداثة إذن هي شكل ونظم وثقافة، الدولة العربية اعتنقتها شكلا ونظما وامتنعت عنها ثقافة، والمؤسسات الدينية الإسلامية جهدت على الغالب لتجاهلها. فلدى هذه وتلك هي حداثة غير مكتملة. أما لدى “العامة”، أي المجتمعات التي تعمل الدولة والمؤسسات الدينية على تطويقها بالأبوية (على أقل تقدير)، فالحداثة حاضرة بمسائلها المفتوحة، مع الغياب الطبيعي للأجوبة الفاصلة لها. أي أن الحداثة لدى “العامة” تبدو أكثر تقدما منها في أوساط السياسة والمؤسسات الدينية.

وقد تكون الغلبة في الوسط الفكري الإسلامي اليوم لمن يرى وجوب إنكار مطلب المساواة الواضحة لصالح غير المسلم (أي بصريح العبارة الكافر)، والمرأة، والمتحول عن الإسلام (أي المرتد)، من خلال الاكتفاء باستدعاء النص الديني. غير أن هذا الموقف القطعي لا يغلق الموضوع. ففي المجتمعات الإسلامية من يرى، صادقا دون تدليس أو نفاق، بأن النص الديني يتسع لهذه المساواة، وإن بشروط وقيود.

وفي هذه المجتمعات أيضا من يرى أن المساواة حق طبيعي خارج نطاق الإلزام الديني. وأن الحرية الفكرية، والتي لا ترهبها القراءات الدينية الحاصرة، هي التي أنتجت النظريات العلمية، وهي التي أتاحت التقدم التقني، وهي التي ضاعفت الرخاء والاستقرار والأمن في المجتمعات التي اعتمدتها.

ومن هؤلاء من يرى أن ذلك لا يعني أن العلم والدين متناقضان، بل المؤمنون والمتدينون من العلماء في الغرب مثلا كثر. ولكن هؤلاء العلماء لا حرج لديهم ولا امتناع، في مجتمعاتهم التي تقر بالحرية، أن يتعاونوا مع زملائهم من اللاأدريين والملحدين، وأن يستفيدوا من أبحاثهم، في حين أن شبهة عدم الانصياع للتصور الديني في معظم المجتمعات الإسلامية تجلب على المشبوه المخاطر.

الحداثة في المجتمعات الإسلامية هي بالفعل غير مكتملة، ولكنها كذلك غير قابلة للتجاهل.

لحسن منيمنة.

الحرة-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate