ثقافة

رواية “الاحتيال” زادي سميث تجمع بين الحداثة الرائعة والأصالة العتيقة.

“تستحضر مؤلفة رواية “شمال غرب” محاكمة حقيقية من القرن الـ19 في هذا الكتاب الذي يتردد فيه صدى موضوعات العرق والطبقية والمال ويتحدث بوفرة عن بريطانيا اليوم.

“كان الحنين أحد تعقيدات التعامل مع الانحدار”، تكتب زادي سميث في أحدث رواياتها “الاحتيال” The Fraud التي تدور أحداثها في العصر الفيكتوري، وتعد أول مغامرة للكاتبة في مجال الأدب التاريخي – لكنها تقدم في الوقت نفسه كثيراً عن حال جزيرتنا البريطانية الصغيرة المتفككة في يومنا هذا وهوسها بالذكريات العاطفية.”الاحتيال” هي فسيفساء معقدة من الحبكات المتشابكة، تدور أحداثها حول معركة “تظلم تيكبورن”، وهي قضية قانونية مشهورة في سبعينيات القرن الـ19، وكانت تشغل بال المؤلفة لأكثر من عقد من الزمن، كما تقول.

استمرت محاكمة رجل ادعى أنه السير روجر تيكبورن، وريث لثري كان يعتقد أنه فقد في البحر، لمدة 140 يوماً، واستحوذت على اهتمام الجمهور. هل كان باروناً حقاً أم مجرد محتال، رجل من منطقة وابينغ يعمل جزاراً؟

يستطيع القارئ متابعة المحاكمة من خلال عيني مدبرة المنزل الاسكتلندية الأرملة إليزا توشيت، التي تعيش مع ابن عمها وليام هاريسون إينزورث، وهو كاتب كان مشهوراً في يوم من الأيام، لكنه الآن في حالة ركود مهني دائم، ينتج روايات تاريخية مملة ولا تصلح للقراءة. تصور سميث تراجعه على المستوى الشخصي في مقطع قاسٍ يصف كيف تحول من كان “شاباً وسيماً” في ثلاثينيات القرن الـ19 إلى “هذا الرجل العجوز المشعر والمكتئب ذي الخدين المترهلين”.

في تصويرها لأسرة فيكتورية صاخبة – ترتبط إليزا بعلاقة حب سرية مع زوجة إينزورث وتؤدي عموماً دور مصدر إلهام للكاتب غريب الأطوار ومقدمة النصائح لبناته – تخلق سميث صورة مقنعة، محققة هدفها المتمثل في إنقاذ الماضي “من هذه النظرة المسطحة التي نمتلكها عنه”.إينزورث، مؤلف 41 رواية مبتذلة مهملة، هو رجل فكاهي بدرجة معتدلة، وتتم ببراعة مراقبة علاقة إليزا غير الطبيعية به.

تسخر سميث أيضاً من سخافات كتاب العصر الفيكتوري الموقرين الآخرين. تحتوي “الاحتيال” كذلك على صورة شائكة بشكل ملحوظ لصديق إينزورث، تشارلز ديكنز، الذي تم تقديمه هنا كرجل مغرور ومتزلف يلعب دائماً دوراً ما، و”يمتلك وجهين” في تعاملاته مع الأصدقاء.

سميث، التي اختبرت في السابق كل أصناف الكتابة، بدءاً بالمقالات والقصص القصيرة، وصولاً إلى السيناريوهات المسرحية، والتي تشمل رواياتها الآسرة والمعقدة ومتعددة الحبكات “أسنان بيضاء” White Teeth و”شمال غرب” NW و”عن الجمال” On Beauty الحائزة جائزة المرأة للخيال، اعترفت بأنها كانت تعتزم في البداية كتابة “رواية تاريخية كوميدية”.

على كل حال، في مرحلة ما بعد ترمب وما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تطورت الرواية إلى شيء “يشبه الحياة أكثر: كوميدية ومأسوية”، على حد تعبيرها. يعد فصل “سنوات برايتون، 1853-1867” الكئيب المكون من صفحتين والمكتوب ببراعة مثالاً رائعاً على قدرتها على الجمع بين شعوري الطرافة والكآبة.

تتيح الدراما التي رافقت قضية تيكبورن لسميث استكشاف موضوعات عميقة ومؤثرة مثل الطبقية والعرق والمال. الشاهد الرئيس في المحاكمة هو أندرو بوغل، المولود في جامايكا، وتظهر بعض شهادته البليغة في الرواية.

إليزا مفتونة بماضيه بدرجة كافية لاصطحابه إلى مطعم صغير في لندن والتوسل إليه لسماع قصة حياته. جزء لا بأس به من القصة الممتدة على 450 صفحة هو سرد لتاريخ بوغل، وهو قصة حزينة ومثيرة للاشمئزاز عن العبودية والقسوة والعنصرية.

وتثير الرواية تساؤلات حول تواطؤ الجمهور البريطاني في دعم العبودية وإدامتها، وهناك لحظة معبرة توثق معاناة إليزا خلال تجربتها الخاصة مع “الشعور المشوش بالإقصاء الذي يكاد يصيب المرء بالدوار”.

كذلك، تسلط سميث الضوء على كيفية تحول قضية تيكبورن إلى كرنفال كوميدي، حيث أصبح الخط الفاصل بين قاعة المحكمة والترفيه رفيعاً للغاية.

يتضح من خلال “الاحتيال” أن أهمية فصل الحقيقة عن الخيال في الحياة هو شيء كان الفيكتوريون يغفلون عنه بسهولة، بينما هم مشغولون بمضغ وجباتهم الخفيفة المكونة من علب الحلزون والكستناء الموضوعة في أكواز ورقية أثناء جلوسهم في قاعة المحكمة، كما يحدث الآن مع الجمهور في عصرنا ضيق الأفق.

استمتعت تماماً بالطريقة الفضولية التي تنظر بها سميث إلى الماضي، إضافة إلى موهبتها في رسم الشخصيات ومظهرها بدقة، كما أن هناك وفرة من الإشارات الحيوانية: يمتلك الرجال وجوه حيوان الغرير، وخدود كلاب الصيد، ووجوهاً طويلة مثل الأحصنة، أو أنهم يشبهون الضفادع والثعابين، كما أنكم ستعثرون على خداع الذات في كل مكان في “الاحتيال”، وفي النهاية تصل إليزا إلى استنتاج أن “الناس يكذبون على أنفسهم طوال الوقت”.

من خلال تيكبورن (أم أنه ببساطة المحتال المولود في لندن آرثر أورتن؟)، نرى مدى سهولة حصول شخص خطر على دعم شعبي كبير من خلال تقديم نفسه كشخص إشكالي. على سبيل المثال، يمكنكم استبدال الأشخاص الذين كانوا يشترون أباريق تيكبورن بأنصار ترمب الذين يرتدون قبعات البيسبول.

يتضح “الاحتيال” في رواية سميث في الشخصيات وفي إنجلترا نفسها التي تعتاش على خيالات ماضيها.

تقول إليزا: “يتبين أن الناس قابلون للتأثر بالآخرين بدرجة استثنائية ويمتلكون أدمغة مثل المناخل، حيث تتسرب الحقيقة من بين ثقوبها”.

يميل أهل لندن الحقيقيون إلى البقاء مرتبطين بالمناطق القديمة التي ولدوا فيها (أو نشأوا فيها)، ويمكنكم إدراك أن كتابة سميث عن مدينتها الأصلية وماضيها تعني كثيراً بالنسبة إليها.

إنها تعطي لندن حضوراً قوياً في “الاحتيال”، على رغم أن الوقت الذي كانت فيه الحقول في منطقة إدجوير رود على مد البصر، بينما كانت منطقة كيلبرن “جميلة”، يبدو ضرباً من الخيال الآن.تتقن الرواية مهارة أن تكون حديثة بشكل رائع وقديمة بشكل أصيل في آنٍ معاً، ويساعدها في ذلك منح الفصول عناوين ميلودرامية على طراز كتابات ديكنز، مثل “كل شيء ضاع!”.

هناك تنوع وتسلية في الشخصيات، بمن فيها المحامون الخبثاء، والكتاب المشوهون بالأنانية، والنشطاء المخنثون، كما أن سميث تربط، مثل نظارة مجسمة من العصر الفيكتوري، الصور والشخصيات والدراما الوفيرة في صورة واحدة مبهرة ثلاثية الأبعاد. “الاحتيال” هي الأداة الأصيلة.

لمارتن شيلوني.

اندبندنت عربية-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate