حداثة و ديمقراطية

عن العجز و العجز المُتعلَّم (2-2).

تحدثنا في الجزء الأول من هذا الموضوع عن أهمية احتفاظ الشعوب بروح التفاؤل لأهميتها في البقاء على الحالة النفسية التي تجعل الشعب يحتفظ بكيانه وهويته ولا يقبل الاستبداد ولا الاستعباد.

وذكرنا أن النظم الاستبدادية تجعل شغلها الشاغل وقمة أولوياتها هي غرس الاحباط والاكتئاب في نفوس شعوبها لتضمن تدجينها واستئناسها .

وتحدثنا بعد ذلك عن ثلاث نقاط أساسية، وهي:

-أولاً: نظرية “العجز المُتعلَّم” لـ (مارتن سليجمان) ودورها في ترويض الشعوب.

ثانياً: تطبيق نظرية “العجز المُتعلَّم” على الشعوب.

ثالثاً: مظاهر تطبيق نظرية “العجز المُتعلَّم” على الشعوب.

وفي هذا الجزء من الموضوع سنتحدث بفضل الله تعالى عن:-

رابعاً: تشويه المفاهيم أحد وسائل النظم المستبدة لترويض الشعوب

إن النظم الاستبدادية تعمل على تشويه المفاهيم كوسيلة لإحكام قبضتها على الشعوب، والبطش بكل من تسوِّل له نفسه الخروج عن النهج الذي رسمه النظام وارتضاه في إدارة شئون البلاد.

ومن المفاهيم الأساسية التي تقوم النظم الاستبدادية بتشويهها وإعادة صياغتها بما يخدم أهدافها، مفاهيم (المواطنة – الوعي – الحرية).

1- النظم الاستبدادية وتشويه مفهوم المواطنة

إن المواطنة لدى النظم الاستبدادية تنحصر في كلمتين لا ثالث لهما: (حب الوطن والتضحية من أجله)، ولكن حب الوطن هنا لابد وأن يكون بالطريقة التي يرسمها النظام وليس بالطريقة التي تحقق مصلحة الوطن، ومن يحيد عن ذلك قيد أنملة يُتهم بالخيانة والعِمالة وغيرها من التهم المعروفة سَلفاً التي تعرِّض الفرد للويل والثبور وعظائم الأمور.

إن المواطنة لدى النظم الاستبدادية تنحصر في كلمتين لا ثالث لهما: (حب الوطن والتضحية من أجله)، ولكن حب الوطن هنا لابد وأن يكون بالطريقة التي يرسمها النظام وليس بالطريقة التي تحقق مصلحة الوطن.

يقول الدكتور علي وطفة أستاذ علم الاجتماع التربوي بجامعة الكويت: “لقد عملت أنظمة الاستبداد في بلداننا بكل ما أوتيت من قوة إلى تحويل المواطنين إلى رعايا وعبيد، إلى أفراد يدينون بالولاء الأعمى لنظام الفساد والقهر والاستبداد، والمواطنة في منظور النظام السياسي المستبد لا تعدو أن تكون ولاء المحكوم للحاكم ورضوخه لإرادة النظام، حيث يشكل الخضوع المطلق للحاكم المستبد مبتدأ المواطنة والإذلال خبرها ومنتهاها”.

2- النظم الاستبدادية وتشويه مفهوم الوعي

أما بالنسبة للوعي فالإنسان الواعي هو الذي يملك رؤية فكرية ناقدة، ويتميز بضمير اجتماعي ينسجم مع الآخر بما تقتضيه طبيعة المجتمع وطبيعة العصر، ودون التنازل عن القيم والمبادئ والأصول التي غرسها الشرع الحنيف.

ولكن النظم الاستبدادية لها في ذلك رأي آخر، فهي تعمل على أن تعيش شعوبها في معزل عن كل ذلك فتسلبه وعيه وتختطف إرادته، وإن شئت فقل وتغتصب هوِّيته، وهو في ظل هذا يدور في فلك هذه النظم ويدافع عنها ويشكر لها صنيعها.

إن تغييب الوعي يجعل الشعوب عاكفة على قراءة الفنجان وتفسير الأحلام وقضايا التعدد والختان، بينما غيرها من الشعوب تصول وتجول في ندوات ومؤتمرات تخص الثورات الرقمية، والجينات الوراثية، وغزو الفضاء، وغيرها من القضايا التي هي في المقام الأول من أخص خصوصيات شعوبنا العربية الإسلامية.

إن تغييب الوعي يجعل الشعوب عاكفة على قراءة الفنجان وتفسير الأحلام وقضايا التعدد والختان، بينما غيرها من الشعوب تصول وتجول في ندوات ومؤتمرات تخص الثورات الرقمية، والجينات الوراثية، وغزو الفضاء.

3- النظم الاستبدادية وتشويه مفهوم الحرية

وبخصوص الحرية ففي عُرف النظم الاستبدادية لابد وأن تسلب الحرية من الشعوب بكل وسيلة وبأي ثمن .

إن المستبدين يٌنكرون حرية الأفراد تقديساً لسلطة الفرد، ويؤمنون بمبدأ القوة على حساب سيادة القانون، ويدعون الفرد إلى أن يفني نفسه من أجل بقاء قداسة الزعيم.

إن سبيل النظم الاستبدادية لسلب الشعوب حريتها هو إحكام سيطرتها على دور العبادة ومحاريب العلم، حينها لا تجد سوى إمعات تسمع ولا تفكر،

بهذه الأساليب وغيرها تضمن الأنظمة الاستبدادية أن تكون الجماهير مَطية مُستأنسة لكل راكب، وبهذه الأساليب وغيرها ترزخ الشعوب تحت سطوة ديكتاتوريات صنعوها بأنفسهم ولأنفسهم.

خامساً: أضرار نظرية “العجز المُتعلَّم” على الشعوب

حين يتعرض الشعب لمشكلات متتالية ويكون عاجزاً على حل هذه المشكلات أو التخفيف من حِدَّتها، وحين تُمارس ضد الشعب عمليات مُمنهجة لتغييب وعيه وفقدان هويته تعتري أفراد هذا الشعب العديد من المشكلات، نذكر منها:-

1- شعور أفراد الشعب بالاكتئاب والإحباط من التغيير مما يُفقدهم الثقة في قدراتهم ويُشعرهم بالدونية والانهزامية وعدم القدرة على مواجهة المشكلات، مما يؤدي بهم إلى الاستسلام للأمر الواقع والرضوخ لما تفرض عليهم من قيود وكبت وانتهاكات.

2- انحدار الجانب الأخلاقي والسلوكي، وانتشار الجرائم، واختفاء صفات النخوة والتآزر، وانغماس الشعب في كل ذلك حتى أذنيه وكأنه بطريقة لا إرادية يُعاقب نفسه بنفسه على الحال الذي وصل إليه، فما ترى حاله إلا من سيء إلى أسوأ،

3- ضعف الانتماء للوطن لشعور عموم الشعب بأن مصير الوطن ومقدراته تتحكم فيهما عُصبة تبطش بكل من يقترب من هذين الجانبين بيد من حديد، وأن خير الوطن إلى هذه العصبة صاعد وشره إلى عموم الشعب نازل.

4- إهمال الشعب للمهام المهنية والوظيفية والمعرفية مما يجعله يعتمد اعتماداً كبيراً على ما ينتجه الغير، وما يقرِّره الغير، ويتشبَّع الشعب بقيم الغير وأفكاره وثقافته، فلا تجده إلا إمعة لا يملك من أمر نفسه شيئاً.

5- هبوط سقف الطموحات لدى الشعب وعدم وجود نظرة مستقبلية للأمور فترى الشعب وكأنه يخطط للفشل بدلاً من التخطيط للتغلب على الفشل.

إن كل هذه الأعراض قد تتفاوت من وقت إلى آخر ومن شعب إلى آخر، إلا أن العامل المشترك في معظم الحالات هو شعور الشعب بالدونية والإحباط والاكتئاب، وحسب درجة هذا الإحباط وذاك الاكتئاب تكون سرعة التعافي والنهوض.

سادساً: علاج أضرار نظرية “العجز المُتعلَّم” لدى الشعوب

إن “العجز المتعلم” من الخطورة بمكان لدرجة أن طوائف الشعب يُعمِّمُون نظرتهم السوداوية الكئيبة على جميع مجالات حياتهم نتيجة لإخفاقهم في مجال من المجالات.

ومن هنا لابد من تقديم الدعم النفسي والوعي الصحيح لعموم طوائف المجتمع من خلال طليعة واعية تضع في قمة أولوياتها ضرورة إقناع الشعب بأهمية التفكير بأسلوب إيجابي وواقعي، وإقناعه كذلك بأن الطاقات تتفاوت من وقت لآخر ومن موقف لآخر، وليس معنى أن نخفق في مجال من المجالات هو أن نتعرض لنفس الإخفاق في باقي المجالات، وكذلك ليس بالضرورة للذي أخفق مرة أن يستمر في نفس الإخفاق كل مرة!

لابد من تقديم الدعم النفسي والوعي الصحيح لعموم طوائف المجتمع من خلال طليعة واعية تضع في قمة أولوياتها ضرورة إقناع الشعب بأهمية التفكير بأسلوب إيجابي وواقعي، وإقناعه كذلك بأن الطاقات تتفاوت من وقت لآخر ومن موقف لآخر.

إن هذه الطليعة الواعية عليها أن تضع في الاعتبار مجموعة من النقاط، منها:-

1- العمل على تعزيز ثقة الشعب بنفسه واحترام ذاته وتقديرها بدلاً من الشعور بالدونية وجلد الذات.

2- وضع أهداف مرحلية وترتيبها ترتيباً زمنياً، هذه الأهداف يجب أن تجيب على مجموعة من الأسئلة، مثل:-(من نحن؟- ماذا نريد؟- كيف نحقق ما نريد؟- متى سيتحقق ذلك؟- ما هي الفرص التي نمتلكها لتحقيق ما نريد؟- كيف نعزز ونستثمر هذه الفرص؟- ما هي المعوقات التي تواجهنا؟- كيف نقوم بتذليل المعوقات والتغلب عليها؟- …الخ).

3- رفع شعارات هادفة وواضحة يتبناها الشعب من أجل تحفيزه ورفع همَّته وتفجير الطاقات والإمكانيات لديه.

4- استرجاع ما سبق أن حققه الشعب والشعوب الأخرى من إنجازات لإقناع الشعب بأن المطلوب منه ليس مُستحيلاً، ولإقناعه كذلك بأنه مازال لديه القدرة على تكرار ما سبق تحقيقه من إنجازات.

5- التعلم مما سبق من تجارب من أجل اكتساب الخبرة التي تدفع الشعب للأمام، وحتى لا يكرر الشعب ما سبق أن وقع فيه من إخفاقات.

أخيراً

نختم بما ذكره الكاتب الفرنسي “إتيان دو لا بويسي” في كتابه الذي بعنوان “العبودية المختارة”، حيث قال: “إن سر كل طغيان إنما يكمن في إشراك فئة قليلة من المستعبدين في اضطهاد سائرهم وهكذا يرمي الطاغية بالفتات إلى زمرة المتملقين من أتباعه فلا يكتفي هؤلاء بما يغنمون منه ولا بدوام طاعتهم له بل إنهم يستبقون رغباته ويحدسون ما يريد قبل أن يفصح هو عنه.

وهؤلاء المتملقون المقربون إلى الطاغية يختارون العبودية طواعية، بينما يكون الشعب مُكرهاً عليها”.

ويقدم “لا بويسي” سبيل التخلص من ذلك فيقول: “صمِّمُوا على ألا تخدموا بعد الآن وسترون أنفسكم أحراراً.

عن

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate