حداثة و ديمقراطية

الاقتصاد الديمقراطي والسلطوي: كيف تعمل الديمقراطية على زيادة التنمية؟

الاقتصاد ليس مجرد قرارات يتخذها محافظ البنك المركزي ووزيرا المالية والاقتصاد من أجل التحكم في الاقتصاد وتوجيهه. إنّ خفض أو رفع أسعار الفائدة، وزيادة أو نقص كمية النقد في السوق، وزيادة الصرف الحكومي أو التقشف، والضرائب، والجمارك، وتثبيت أو تعويم سعر العملة…، كلها سياسات مهمة لكن ينقصها الاستقرار السياسي.يقول بنيامين فرانكلين: “من يضحي بالحرية من أجل الأمن، لا يستحق أيّاً منهما”. ويمكن استبدال الحرية بالديمقراطية والأمن بالخبز، والنتيجة -وفقاً لمقولة فرانكلين- أنّه سينتهي بلا خبز ولا حرية.

والمقولة لا تنتصر لإحدى الثنائيات، وإنّما تعيد ترتيبهما بناء على مقولة “ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان”؛ فالحرية والديمقراطية تأتيان بالأمن والخبز، ولو حدث العكس، فستكون التنمية حالة مؤقتة تنتهي بموت الطاغية إذا افترضنا استنارته. والسؤال الذي تناقشه هذه المادة يتعلق بحاجة الاقتصاد إلى الديمقراطية، بما تعنيه من استقرار سياسي، وحاجة الديمقراطية إلى تنمية في عملية تكاملية توفِّق بين الرأيين المتنافرين اللذين يقدّم أحدهما الاقتصاد على الديمقراطية، ويربط نجاحه بدونها، والرأي الآخر المعاكس.

هل تحقق الديمقراطية النمو الاقتصادي؟

تكفي نظرة إلى الاقتصادات المزدهرة لربط هذا الازدهار بالديمقراطية؛ أي بالاستقرار السياسي الذي تحققه الديمقراطية. تظهر الإجابة عن هذا السؤال بالإيجاب في دراسة بعنوان “الديمقراطية تحقق النمو”، شارك فيها (4) من الباحثين من معهد ماساشوستس للتكنولوجيا وجامعة كولومبيا وجامعة بوسطن وجامعة شيكاغو.وفقاً لموقع (شيرأمريكا) حللت الدراسة (184) دولة في الفترة من 1960 إلى 2010، وخلصت إلى أنّ “البلدان التي أسست حكومات ديمقراطية، في الأعوام الـ (70) الماضية، نمت اقتصاداتها…” مثل البرتغال وكوريا الجنوبية، اللتين شهدتا زيادة بنسبة 20% في الناتج المحلي الإجمالي للفرد في غضون عقدين من التحول الديمقراطي.

وفقاً للدراسة، “يزداد إجمالي الناتج المحلي على المدى الطويل بنحو 20-25% في الأعوام الـ (25) التي تعقب التحول الديمقراطي. فالديمقراطية تعزز الناتج المحلي الإجمالي الأعلى من خلال إجراء إصلاحات اقتصادية، وتحسين القدرة المالية، وتوفير التعليم المدرسي والرعاية الصحية، وتحث على زيادة الاستثمار وتقليل الاضطرابات الاجتماعية.

والنتيجة أنّ الديمقراطية أكثر ملاءمة للنمو الاقتصادي، وأنّ هناك العديد من أوجه التكامل بين المؤسسات الديمقراطية والأسباب المباشرة للتنمية الاقتصادية. على عكس الادعاءات الشعبية بأنّ الديمقراطية سيئة للنمو في المراحل الأولى من التنمية الاقتصادية”.

حاجة الديمقراطية إلى تنمية مسبقة

يجادل آخرون بأنّ “الديمقراطية ستكون مكلفة اقتصادياً عندما لا يتم استيفاء شروط مسبقة معينة”. على سبيل المثال، يرى ريتشارد بوسنر أنّ “الدكتاتورية غالباً ما تكون هي الحل الأمثل للبلدان شديدة الفقر. لأنّ اقتصادات هذه الدول بسيطة، وتفتقر إلى الشروط الثقافية والمؤسسية المسبقة للديمقراطية”.

كما صرح ديفيد بروكس، في أعقاب أحداث عام 2013، في مصر “ليس الأمر أنّ مصر ليس لديها وصفة لانتقال ديمقراطي، يبدو أنّها تفتقر حتى إلى المكونات الذهنية الأساسية”.

تتخذ الأنظمة الديمقراطية خياراتها وفي خططها الصالح العام الذي أوصلها للسلطة، ولذلك ستتبنى حزمة من الإجراءات التي تضمن عدم تأثرها بالأزمة بشكل كبير

يجادل أصحاب هذا الرأي بأنّ النمو الاقتصادي لا يحتاج إلى الديمقراطية ليقوم بدوره، “بل إلى اقتصاديين يتمتعون بدرجة معينة من الاستقلال ويتحركون داخل إطار مجهز بقواعد لعبة مستقرة ومعروفة ولا تتطلب البتّة احترام حقوق الإنسان والديمقراطية”.

هذا الرأي الوارد في دراسة لمنجي المقدم، “يعطي للاقتصاد الأولوية المطلقة، وهو ما يترتب عنه فكر واحد يعتمد على مجموعة من المفاهيم الرئيسية المتمثلة في اليد الخفية للسوق… وقد فرض هذا الفكر هيمنته إلى درجة أنّه كبل كل محاولات التفكير الحر”، ممّا دعا آلن مينك للقول: إنّ “الرأسمالية لا يمكن أن تنهار؛ لأنّها الحالة الطبيعية للمجتمع، الديمقراطية ليست الحالة الطبيعية للمجتمع، السوق نعم”.

يرى هؤلاء أنّ الديمقراطية “لا يمكن الوصول إليها إلا بعد بلوغ درجة معينة من النمو الاقتصادي الذي يمثل الشرط الضروري والكافي لممارسة الديمقراطية التي لا تستتب إلا بوجود حد أدنى من النمو الاقتصادي المسبق”.

التنمية الاقتصادية، بحسب هذا الرأي، “هي التي تساعد على فرض الديمقراطية وليس العكس. فمع النمو الاقتصادي، يصبح من مصلحة العمال وأصحاب رؤوس الأموال بأن تكون الدولة ديمقراطية؛ لأنّ الدولة غير الديمقراطية لا يحبّذها الرأسماليون؛ حتى لا تعرقل مشاريعهم، ولا يحبذها العمال؛ لأنّها تشكل حاجزاً أمام ممارسة حرياتهم النقابية وتحسين أوضاعهم الاجتماعية”.

والواقع أن لهذا الرأي وجهين: قاعدة واستثناء.

القاعدة والاستثناء

لماذا نجحت الصين وفشل الاتحاد السوفييتي؟من بين الأسباب التي أدت إلى سقوط الاتحاد السوفيتي، كما يقال، أنّه بدأ بالتحول السياسي، بينما نجحت الصين لأنّها عولمت الاقتصاد ولم تعولم الديمقراطية. يتجاهل هذا الرأي حقيقة مهمة وهي أنّ الصين تتمتع باستقرار سياسي ماثل في سياسة الحزب الواحد، وغياب الفساد الإداري.

قام مشروع اليسار على المراهنة على سقوط مشروع الرأسمالية – بزعم أنّه يحمل بذور هلاكه في ذاته- أكثر ممّا راهن على نجاح مشروعه الاشتراكي عبر نقده وتطويره. انتهاء الحرب الباردة بسقوط الاقتصاد الاشتراكي وانتصار الرأسمال الليبرالي لم يكن بفعل خارجي فقط، ويعود إلى عاملين: النقد الذاتي للرأسمالية، والبحث عن حلول لإشكالياته.

بينما قام مشروع اليسار على حتمية تاريخية لا يؤدي فيها العنصر البشري إلا دوراً ثانوياً. وبما أنّ استجابة اليسار للواقع بطيئة أو متأخرة، وفي ظل تغول النيوليبرالية، فمعالجة توحش الرأسمالية أجدى من بعث الميت الاشتراكي. والموت هنا حالة مجازية تسمح بأن يسهم الميت في العلاج؛ فوجوده كفزاعة أسهم في علاج الرأسمالية في مرحلة ما. وقد يفضي الجدل بينهما إلى طريق ثالث يجمع بين محاسنهما.

الأنظمة السلطوية، حلفاؤها هُم همُّها الأكبر، تلك القوى التي تملك إقصاءها عن السلطة: أرباب رأس المال والجهة التي ينتمي إليها رأس النظام أو التي مكَّنته من الحكم

تجارب الديكتاتوريات التنموية تخبرنا أنّ “هذه التنمية لا تعمّر طويلاً وتضمحل تحت تأثيرات الرشوة والمحسوبية والقمع”. وإن لم تكن هذه هي الأسباب المباشرة، فستكون المغامرات الخارجية هي السبب، ولنا في العراق مثال. ولذلك لا بدّ من حسم الصراع لفائدة الديمقراطية؛ “لأنّ أيّ سياسة لا تستطيع النجاح إلا عندما تكسب مشاركة المواطنين”. يضيف منجي المقدم، في دراسة على موقع (عربية ليدرز) أنّ الديمقراطية تشجع على الحرية والمساواة والاستقرار السياسي والمسؤولية والشفافية.

وهي بذلك تساعد على التنمية الاقتصادية على المدى الطويل. كما أنّها تمنع حدوث الصراعات الكبرى بفضل إجراءات الحوار والتفاوض. وتضمن التصرف في الشؤون السياسية وتحدّ من المحسوبية والرشوة، وتسهل مشاركة أكبر عدد من السكان في التضامن الاقتصادي والاجتماعي.

وعلى صعيد المؤسسات، تمكّن الديمقراطية الموظفين من المساهمة في القرارات، وهذا يساعد في تحسين إنتاجية المؤسسة، ويكون له تأثيرات إيجابية على التنمية الاقتصادية.

القضية لا تخلو من استثناءات نجدها في دراسة لجون ويليامسون، بتصرف عن منجي المقدم، اختار ويليامسون عينة من بلدان غنية وأخرى فقيرة، وأنظمة ديمقراطية وأخرى قمعية. وقد قسم البلدان المختارة إلى (4) مجموعات: الأولى لبلدان نجحت فيها الإصلاحات لكن بحكومات تعسفية: كوريا الجنوبية في 1979، أندونيسيا في 1982، الشيلي في 1983، المكسيك في 1987.

والمجموعة الثانية ضمت تركيا في ظل حكومة ديمقراطية باشرت الإصلاحات قبل أن يطيح بها الجيش، ثم أعاد السلطة لاحقاً إلى حكومة أخرى ديمقراطية واصلت الإصلاحات بنجاح.

وضمت المجموعة الثالثة (6) بلدان ديمقراطية نجحت اقتصادياً، وهي: أسبانيا (1982) وأُستراليا (1983) ونيوزيلندا الجديدة (1984) والبرتغال (1985) وكولومبيا (1989) وبولونيا (1990). وضمت المجموعة الأخيرة البيرو (1980) والبرازيل (1987)، اللتين فشلتا اقتصادياً رغم حكومتيهما الديمقراطيتين.

لماذا تنجح الديمقراطية في تحسين اقتصاد البلدان؟

أجاب موقع (شيرأمريكا) بالقول إنّه بعد الانتقال إلى الديمقراطية، قامت البرتغال وكوريا الجنوبية بإصلاحات في مجالات الرعاية الصحية والتعليم، وبعد تحولها إلى الديمقراطية توقفت كوريا الجنوبية عن قمع النقابات. وهذا مكَّن العمال من الانضمام إلى النقابات، والدعوة لزيادة الأجور والمطالبة ببيئة آمنة وصحية، والنتيجة ارتفاع مستوى المعيشة.

قال وليام تومبسون، رئيس قسم أوراسيا في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: “إنّ بولندا والتشيك ودول البلطيق أطلقت سلسلة من الإصلاحات الديمقراطية بعد انهيار الشيوعية، وأسست أنظمة قانونية فعالة، وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي، وهما خطوتان من خطوات عدة عززت الناتج المحلي الإجمالي للفرد”. وأضاف تومبسون أنّ “نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بولندا في عام 2021 قد تضاعف أكثر من (3) أضعاف بالدولار الحقيقي من قيمته في عام 1990”.

إدارة الاقتصاد في الأنظمة الديمقراطية

وفقاً لبايدن، تطلق الديمقراطية العنان للإمكانات البشرية. ويقول الخبير الاقتصادي دارون أسيموجلو، نقلاً عن موقع (شير أمريكا): “إنّ الديمقراطيات تخصص مزيداً من الإنفاق للتعليم والرعاية الصحية. ومع حصول الشرائح الأفقر في المجتمع على الرعاية الصحية والتعليم، فمن المرجح أن يستفيدوا من إمكاناتهم ويساهموا في الاقتصادات المحلية”.

ويقول داريل ويست، نائب رئيس دراسات الحوكمة في معهد بروكينغز: “إنّ المجتمعات الديمقراطية تقوم بحماية حق الناس في التعبير عن آرائهم، ومناصرة سيادة القانون، وفرض القواعد الحاكمة التي يمكن التنبؤ بها، وإجراء انتخابات تنافسية، ودعم وسائل الإعلام المستقلة”.

العجز عن إصلاح الاقتصاد وبناء الدول، إمّا أنّه ناتج عن جهل، وإمّا عن غياب الإرادة. لعل هذه الأنظمة لا تريد؛ لأنّ في الإرادة زوالها

وأشار ويست إلى وادي السيليكون كشاهد على أنّ “حرية التعبير في الديمقراطيات تحفز الإبداع والابتكار”. وأضاف: “إنّ في الولايات المتحدة بيئة تسمح للناس بتحدي السلطة، وتطوير أفكار غير تقليدية، والتجريب بطرق غير ممكنة غالباً في المجتمعات الاستبدادية”.

حرية التعبير، في نظر ويست، “تغذي نظام التعليم العالي في أمريكا وما يترتب عليه من قوتها الاقتصادية. إذ تُعد الجامعات من بين أكبر أرباب العمل المحليين، ممّا يحفّز الاقتصادات المحلية. وعلاوة على ذلك، فإنّ العديد من براءات الاختراع -وأبرزها رقائق الكمبيوتر- تأتي من الجامعات، وتقود أفكار الأعمال التجارية”.

واستشهد ويست بكتاب “الديمقراطية في أمريكا”، للفيلسوف السياسي الفرنسي ألكسيس دي توكفيل، في أوائل القرن الـ (19). لاحظ توكفيل أنّ تنوع المنظمات في أمريكا كان وراء نجاحها، وأنّ المجتمع المدني الأمريكي النابض بالحياة كان قوة للولايات المتحدة. ووفقاً لأسيموجلو: “هناك تواصل غير منقطع يتعلق بالحرية السياسية والنجاح الاقتصادي؛ إذ إنّهما يمتزجان لخلق الحيوية التي شهدها دي توكفيل منذ ما يقرب من قرنين من الزمان”.

لا نريد أم لا نستطيع؟

عندما تتعرض الدول لأزمات اقتصادية فالحلول تختلف بناء على نوعية الأنظمة الحاكمة: ديمقراطية أو سلطوية.

تتخذ الأنظمة الديمقراطية خياراتها وفي خططها الصالح العام الذي أوصلها للسلطة، ولذلك ستتبنى حزمة من الإجراءات التي تضمن عدم تأثرها بالأزمة بشكل كبير. أمّا الأنظمة السلطوية، فحلفاؤها هُم همُّها الأكبر، تلك القوى التي تملك إقصاءها عن السلطة: أرباب رأس المال والجهة التي ينتمي إليها رأس النظام أو التي مكَّنته من الحكم.

وغالباً ما يكون الحلّ هو التضحية بالشعب الذي لا يملك القدرة على تحريك الخيوط بحيث تؤدي إلى سقوط النظام، بخاصة في ظل ظروف لم يعد ممكناً فيها تكرار الثورة.

تتجه الأنظمة الديمقراطية إلى البحث عن فرص للاستثمار، وزيادة حجم الصادرات… إلى غيرها من الحلول التي يستخلصها الاقتصاديون عبر عملية تداولية يتم من خلالها التوصل إلى القرارات في النظام السياسي الديمقراطي.

تتسم الديمقراطيات بمؤسسات سياسية لها وظيفة تداولية، مثل الهيئات الاستشارية ومعاهد الدراسات، ويمكن الحكم على الأنظمة السياسية من خلال هذه المؤسسات وأدائها.

تركز العملية التداولية التفكير بالصالح العام وتتطلب الديمقراطية أكثر من مجرد تجميع طائش للخيارات القائمة. ثمّة حوار محترم على جميع المستويات بين المشاركين المطلعين والمختصين الذين ينفتحون على الإقناع، خلافاً للخطابات العاطفية أو الارتباطات التضامنية أو المصالح الضيقة أو الإكراه في الأنظمة السلطوية التي تستعين غالباً بخبراء في الاقتصاد هم أتباع أكثر من كونهم مستشارين أو واضعين لخطط اقتصادية حقيقية؛ لذلك ستقتصر مهمتهم على اقتراح حلول تأخذ بعين الاعتبار عدم المساس بالحلفاء والقوى المؤثرة.

هؤلاء يعرفون أنّ ثمّة حلولاً أجدى من التضحية بالطبقات الفقيرة، مثل فرض الضرائب وتحصيلها من المتهربين منها واستقطاب الاستثمارات الخارجية وتسهيل دخول العملات الأجنبية عبر إصلاح النظام البنكي وإصلاح النظام الإداري الذي يستهلك الموارد ويقف عائقاً أمام تحقيق المزيد منها…

لكنّ جميع هؤلاء حلفاء في دائرة الفساد الكبيرة، بمن فيهم فئات من الشعب نفسه، والأسهل هو تحرير سوق الصرف والتعويم وزيادة نسبة الفائدة…،وهي إجراءات ضرورية كان ينبغي التمهيد لها بإجراءات تقلص الفارق الهائل الذي سيُحدثه ارتفاع سعر العملات الأجنبية، لكنّ اتخاذ هذه الإجراءات نتيجة شروط المستثمر الخارجي والبنك الدولي شاهد على غياب التخطيط طويل المدى.

ليس هناك ازدهار اقتصادي بدون استقرار سياسي، وليس هناك استقرار سياسي بدون آلية ديمقراطية نزيهة لتداول السلطة تأخذ في الاعتبار دائماً مصالح أولئك الذين أوصلوها إلى الحكم

زيادة الصادرات غير ممكن في ظل صناعة (وطنية) غير قادرة على المنافسة خارجياً، وتأهيل هذه الصناعات للمنافسة محلياً في حال دخل المستثمرون الأجانب كمنافسين، يتطلب أعواماً.

لكن إذا لم تكن الخطوات الأولى قد اتُخذت، فذلك شاهد على أنّ المانع هو أنّ أرباب هذه الصناعات هم شركاء في الحكم، أو أنّهم قوى يُخشى منها على سلامة النظام وديمومته.

وبالتالي لن يكون من مصلحتها اقتسام كعكة الاقتصاد والترحيب بالاستثمارات الخارجية التي ستؤدي في ظل ظروفها الضعيفة إلى إقصائها. في ظل هذه الدائرة يبرز سؤال عن جدوى القروض التي سيبتلعها ثقب أوزون الفساد، مثل سابقاتها، وستشكل الديون عبئاً إضافياً على كاهل أيّ إصلاح قادم. في حين تدرك الديمقراطيات أنّ “إدارة الموارد أهم من الموارد نفسها”، ولذلك يمكن لقطاع واحد مثل السياحة أن يكون مورداً أساسياً، لولا أنّ تحالف الفساد يحول دون تفعيل هذا المورد.

كيف يمكن استقطاب الاستثمارات الأجنبية ضمن بيئة اقتصادية تديرها أنظمة عدة؟ اقتصاد الدولة، واقتصاد الجيش، واقتصاد السوق الحر، أو رأس المال الخاص الذي يشكو من منافسة اقتصادَين لا يخضعان للمنظومة الضريبة نفسها.

وإذا كان رأس المال الوطني الخاص يشكو من هذا التضارب، فكيف سيقبل المستثمر الأجنبي بيئة كهذه؟ في اليمن فرّ رأس المال من جنوب اليمن إلى شماله بعد سياسة التأميم، وأفلس التجار الذين دعموا ثورة 1962م، بخطة ممنهجة للانتقام ولتفريخ تجار موالين، وهي السياسة نفسها التي ينفذها الحوثيون اليوم على نحو أبشع. الشاهد هنا أنّ غياب الاستقرار السياسي له دور أساسي في مشاكلنا الاقتصادية.

العجز عن إصلاح الاقتصاد وبناء الدول، إمّا أنّه ناتج عن جهل، وإمّا عن غياب الإرادة.

لعل هذه الأنظمة لا تريد؛ لأنّ في الإرادة زوالها، “فكلما ازدادت ثروة الشعب، ازداد طموحه إلى مزيد من الديمقراطية، ويصبح من الصعب على دولته رفضها”.

ويبدو أنّ الأنظمة السلطوية لا تريد تفعيل هذه الدائرة الحيوية، ولذلك ليس من قبيل التنجيم معرفة المستقبل: قل لي من يحكمك- نظام سلطوي أم ديمقراطي- أُحدد لك مستقبلك.

أغلب الاقتصاد العربي قبل أن تُكَمِّله الديمقراطية يفتقر إلى الكثير من حيث الشكل والمضمون. وما ينطبق على اقتصاد التجزئة ينطبق كذلك على اقتصاد الجملة؛ اقتصاد يشبه “غسيل الأموال”؛ الواجهة أهم من البضاعة والمستهلك… وإعلانات براقة تكلف ملايين الدولارات لبضاعة شبه تالفة.

لكن هذه النواقص التي لها الأولوية لن تكتمل إلا بمعرفة ماذا نريد وضمن منظومة استقرار سياسي ديمقراطي كلي.

الخلاصة أنّه ليس هناك ازدهار اقتصادي بدون استقرار سياسي، وليس هناك استقرار سياسي بدون آلية ديمقراطية نزيهة لتداول السلطة تأخذ في الاعتبار دائماً مصالح أولئك الذين أوصلوها إلى الحكم. الديمقراطية، بهذا المعنى، ليست ترفاً، بل هي خيار سياسي مرتبط بالاقتصاد، ولا مفرّ منها عند أُمم تعرف أنّ الحضيض منزلة لا تستحقها.

ثمّة مخاوف مبررة من الديمقراطية؛ خشية من اتخاذها سُلّماً لصعود الإسلام السياسي، لكنّ هذا البعبع هو إحدى أدوات بقاء الأنظمة السلطوية في الحكم، وإلّا لأمكن إيجاد حلول تحقق الاستقرار السياسي وتحمي الديمقراطية من أن تكون أداة في أيدي الرجعيات للاستيلاء على السلطة.

لرياض حمادي.

حفريات_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate