المرأة

المرأة والديمقراطية وحقوق الإنسان(الأردن نموذجا)

مقدمة

إن تحرر المرأة وتقدمها واحترام مكانتها ودورها في المجتمع وحفظ كرامتها الإنسانية لا يشكل فقط قضية إنسانية ذات محتوى قيمي ديمقراطي حضاري، وإنما أيضاً قضية وطنية تحررية تنموية، فالازدهار الأخلاقي والتحرر الوطني والتقدم الاجتماعي يرتبط جذرياً بالموقف من المرأة في جميع مناحي الحياة في الفكر والسياسة والاقتصاد والقوانين والتقاليد والقيم.

إن تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان على أسس سليمة سيكون لها التأثير المباشر على وضع المرأة باعتبارها المستفيدة الأولى من إشاعة الديمقراطية وترسيخها في مختلف المجالات إن كان على صعيد الأسرة أو المجتمع أو العمل.

ولا نبالغ حين نقول بأن تاريخ البشرية هو تاريخ النضال من أجل الديمقراطية، وكانت الديمقراطية في جميع العصور هدفاً وشعاراً مرفوعاً للأغلبية الفقيرة من طغيان الأقليات الحاكمة.وشهدت العقود الأخيرة نشاطاً ملحوظاً قادته الأمم المتحدة من أجل ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان، وأصدرت القوانين والتشريعات التي تحمي حقوق الإنسان.

كما تأسست العديد من المنظمات للدفاع عن حقوق الإنسان على الأصعدة الدولية والإقليمية والوطنية، وأصبحت حركات حقوق الإنسان قوة جماهيرية لها دور وتأثير في دعم المرأة من أجل الحصول على حقوقها الإنسانية والدستورية.

مفهوم الديمقراطية

لم تعد الديمقراطية ترفاً ثقافياً أو موضوعاً يهم المثقفين والمثقفات فقط، بل هي ضرورة حيوية تهم مختلف أفراد المجتمع لعلاقتها الوثيقة بتقدم المجتمعات منذ الثورة البرجوازية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر.هناك خلاف حول مفاهيم الديمقراطية والمدارس المختلفة في تعريفها كالمدرسة الليبرالية والمدرسة الماركسية، ثم التطور الذي حدث داخل كل مدرسة.

فليبرالية القرن الثامن عشر ليست هي ليبرالية القرن العشرين، والشيء نفسه ينطبق على المدرسة الماركسية. وهناك خلاف حول التعبير المؤسسي والأشكال التنظيمية للديمقراطية.

فإذا أخذنا موضوع التمثيل النيابي، والذي يؤخذ عادة كإحدى مسلمات النظام الديمقراطي نجد أنه يثير جدلاً واسعاً في الفقه القانوني والفكر السياسي.

جان جاك روسو على سبيل المثال يعتبر أنه تشويه للديمقراطية ويؤدي إلى إقصاء الشعب عن إدارة أموره، وأنه ينقل السيادة من الشعب إلى البرلمان. والجدل نفسه يدور حول تعدد الأحزاب ابتداء من القول بأن «الديمقراطية هي حكومة تعدد الأحزاب» إلى أولئك الذين يرفضون عقد صلة بين الديمقراطية وبين شكل تعدد الأحزاب، ويتصورون أنه يمكن ضمان الحريات الديمقراطية، في إطار الحزب أو التنظيم السياسي الواحد وبالذات في ظروف بلدان العالم الثالث، وهناك خلاف حول السياق الاجتماعي اللازم أو الضروري للنظام الديمقراطي باعتبار أن الديمقراطية ليست مجرد شكل أو إطار للتنظيم السياسي، ولكن استمرارها وازدهارها يرتبطان بوجود بيئة اقتصادية واجتماعية وثقافية ملائمة.

وهناك رأي يربط بين ديمقراطية النظام السياسي، وديمقراطية التنظيمات الاجتماعية الأخرى، بمعنى أن ازدهار ديمقراطية الأولى، مرتبط بوجود ممارسات ديمقراطية على مستوى المؤسسات الأسرية والدينية والنقابية والمهنية والتعليمية.

فالإنسان الذي لم يتعود أن يمارس قواعد السلوك الديمقراطي في الأسرة أو المدرسة أو النقابة، كيف يتوقع منه أن يكون مواطناً مشاركاً؟ وفي إطار المدرسة الليبرالية، ظهرت أفكار تربط بين استقرار النظام الديمقراطي، ووجود طبقة وسطى عريضة، أو انتشار التعليم أو غياب تناقضات اجتماعية واقتصادية حادة، وفي المدرسة الاشتراكية فإن نقطة الانطلاق هي أن الديمقراطية السياسية لا تنفصل عن الديمقراطية الاجتماعية والاقتصادية وأن لا حرية لجائع أو محتاج، وأن حق التصويت لا ينفصل عن لقمة العيش.

إن الطرح الاشتراكي لقضية الديمقراطية يرى أنها ليست قضية قانونية أو سياسية بقدر ما هي مسألة وضعية الإنسان الاجتماعية والاقتصادية، وأن الشكل القانوني والسياسي وثيق الصلة بمجمل الأوضاع الاقتصادية والقوى المتحكمة في مصادر الثروة، ومن ثم فإن قضية الديمقراطية ينبغي أن تدرس في سياقها التاريخي والاجتماعي.إن العديد من الندوات واللقاءات التي نظمت على نطاق العالم العربي حول الديمقراطية قد حددت ثلاثة مبادئ ومكونات أساسية للنظام الديمقراطي وهي: الحرية والمساواة والمشاركة.

1- الحرية، أي احترام الحريات المدنية والسياسية للمواطنين، الحريات المدنية مثل الحريات الشخصية وحرية الانتقال والزواج، والحريات السياسية مثل حرية التعبير والرأي والحق في الاجتماع والتنظيم.

2- المساواة، في بعديها السياسي والاجتماعي، السياسي بمعنى أن كل مواطن بصرف النظر عن أوجه تعليمه أو ثرائه أو مركزه العائلي أو ديانته أو جنسه ولونه يتساوى أمام القانون مع الآخرين، والاجتماعي بمعنى ضرورة توفير الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تمكن المواطنين من ممارسة الحرية والمشاركة السياسية.

ولا يقصد بالمساواة، المساواة الحسابية بين البشر، ولكن يقصد بها ضمان المجتمع لحد أدنى من الحقوق الاقتصادية والخدمات الاجتماعية لكل المواطنين والمواطنات، وهو ما يعبر عنه في الفكر العربي بتعبير العدل الاجتماعي أو تكافؤالفرص.

3- المشاركة: بمعنى أن يكون القرار السياسي أو السياسة التي تتبناها الدولة هي محصلة أفكار ومناقشات جمهرة المواطنين والمواطنات الذين سوف يتأثرون بهذا القرار أو السياسة. ويبنى هذا على مبدأ مهم وهو حق كل إنسان في المشاركة وإبداء الرأي في القرارات والسياسات التي سوف تؤثر عليه وعلى حياته ومصالحه.هذه المبادئ ، الحرية والمساواة والمشاركة.

تشكل أبعاد المثل الأعلى للديمقراطية، وأن الاعتداء على أي من هذه الأبعاد يمثل اعتداء وابتعاداً بالقدر نفسه عن هذا المثل الأعلى. فالحرية مثلاً ليست حقاً قانونياً وحسب، فممارستها تتطلب قدرة اجتماعية واقتصادية وتعليمية لا يمكن لمن لا يمتلكها أن يمارسها بشكل منتظم ومستمر، حتى لو امتلك الحق القانوني في ذلك، فلا حرية دون حد أدنى من المساواة السياسية والعدل الاجتماعي، ولا مساواة حقيقية دون مشاركة أو حرية ولا مشاركة بالطبع في غياب الحرية.

وفي العالم الثالث، فإن الديمقراطية لا يمكن أن تسير إلا بجناحيها، الجناح السياسي والجناح الاقتصادي، وإن الديمقراطية كالطائر، لا يمكن أن تطير بجناح واحد، فالديمقراطية تعني أيضاً وفي الوقت نفسه، ضرورة إعادة توزيع الدخل القومي توزيعاً عادلاً، لأنه في مجتمع لا تتكافأ فيه الفرص تصبح الديمقراطية والعمليات الانتخابية بيعاً وشراء وتجارة بالنفوس، وكل المشاهد التي نألفها بكل أسف، ولا يكفي أن يصدر دستور ديمقراطي، بل يجب أن يربى الناس تربية ديمقراطية، وأن يتعودوا ممارسة الديمقراطية، وأن تصبح الديمقراطية قيمة مستقرة في أعماقهم، يقيسون بها من ضمن ما يقيسون كل ما يعرض عليهم أو يطرح لأخذ رأيهم.إن الديمقراطية حرية ومسئولية معاً.

والديمقراطية يجب أن لا تفهم على أنها مجرد حق في النقد، هذا أسهل جوانب الديمقراطية، الديمقراطية التي نطمح إليها هي ديمقراطية المشاركة في صنع القرار ? ومن يشارك في صنع القرار، يشارك في تحمل مسئولية هذا القرار، سواء نجح أو أخفق. ومن هنا يتم التدريب الحقيقي على الحكم، ومن هنا يشترك الشعب بالفعل في الحكم، وصعوداً من هذه القاعدة إلى أعلى مستويات الدولة وفي كل نواحي الأنشطة والعلاقات، يجب أن يكون مبدأ المشاركة هو الأساس.

تطور قضية حقوق الإنسان لقد عرف التاريخ البشري وثائق عدة تقر حقوق الإنسان كالماغنا كارتا (1697) في إنجلترا. أو الإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان (1799).

وكان من أهم الوثائق التي صدرت عن الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948 واعتماده من قبل الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في المنظمة الدولية في ذلك الحين (48 دولة من أصل 56 وامتناع 8 دول عن التصويت ولم تصوت أية دولة ضده)، وجاء هذا الاعتماد من خلال منظمة عالمية، وهو الأمر الذي تحقق لأول مرة في التاريخ البشري ولذلك أصبحت للإعلان قيمة أدبية وسياسية كبرى خلال فترة قصيرة.

لقد جاء الإعلان ليمثل خلاصة جميع ما أسهمت به الحضارات والفلسفات والأفكار على مر التاريخ البشري في سبيل بلورة وتحديد مبادئ حقوق الإنسان ورفع شأنها واحترامها. وقد كان للعرب مساهمة رفيعة في صياغة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان من خلال رئاسة اللبناني شارل مالك للجنة الثالثة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي للأمم المتحدة والتي كان مناط بها إعداد مشروع الإعلان.

بعد سنوات قليلة من تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لاحظت الأمم المتحدة بأن هناك حاجة ماسة لوثائق تفصل الحقوق الواردة في الإعلان وتحددها في بنود تحمل طابع الإلزام القانوني للدول. وهكذا تم صياغة وإقرار العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية واللذين تم اعتمادهما عام 1966 ولكن لم يدخلا حيز التنفيذ إلا في عام 1976.

تلتزم الدول الأطراف في هذين العهدين باحترام الحقوق المذكورة وتقديم تقارير دورية إلى لجان منبثقة علن العهدين لبيان مدى احترامها لتلك الحقوق.

بعد ذلك تطورت مساهمات الأمم المتحدة في بلورة اتفاقيات تتعلق بجوانب كثيرة من حقوق الإنسان، كان من ضمنها الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (1963) واتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (1979) والاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية (1984) والاتفاقية الدولية لحقوق الطفل (1989).

وهناك نحو 26 اتفاقية رئيسية لحقوق الإنسان من هذا القبيل.يعتبر تصديق الدول على هذه الاتفاقيات جميعاً أو بعضها مؤشراً إيجابياً على مدى التزام الدول بحقوق الإنسان. صادق الأردن على 15 اتفاقية منها وهي نسبة تعتبر جيدة بجميع المقاييس.

يمكن اعتبار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الأساس الذي انبثقت منه الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان. هذا عدا عشرات «الإعلانات» ذات القيمة المعنوية والسياسية والتي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة بخصوص حقوق الإنسان مثل «إعلان الحق في التنمية» وإعلان حقوق الأقليات «والإعلان الخاص باستئصال الجوع وسوء التغذية» وإعلان حق حيازة الأرض والمسكن.

وخلال العقود الخمسة الماضية بذلت جهود كثيرة من خلال الأمم المتحدة ووكالاتهاالمتخصصة أو من خلال منظمات حقوق الإنسان الدولية والإقليمية والمحلية من أجل احترام حقوق الإنسان وتطويرها ساهم في زيادة الوعي العالمي وعلى مستوى الشعوب والأفراد بأهمية حقوق الإنسان والديمقراطية، وإن توفيرها وممارستها هو الأساس لنشر السلام والطمأنينة في العالم.

لقد تم التأكيد على ذلك بصورة جلية وواضحة في الوثائق الصادرة عن المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان الذي عقد في فينا / النمسا عام 1993 والتي أكدت بأن حقوق المرأة حقوق إنسان.أكدت جميع أدبيات حقوق الإنسان وبالأخص وثائقها بأن السلام العادل الذي يضع حداً نهائياً للاستغلال وللقهر وللعنصرية هو وحده الحاضن لحقوق الإنسان، وهوالذي يتيح المجال لنموها ولتطويرها، في حين أن الحروب هي البيئة الأساسية لارتكاب أبشع انتهاكات حقوق الإنسان وأولها القتل وسفك الدماء والتدمير والتشريد.وفي تموز عام 1998 تم تأسيس محكمة جنائية دولية لمحاكمة مجرمي العرب وأولئك الذين يتحملون المسئولية في تعذيب مواطنين أو انتهاك حقوقهم.لقد خصصت الأمم المتحدة العقد الممتد من عام 1995 ولغاية عام 2004 عقداً مخصصاً للتربية وللتثقيف في مجال حقوق الإنسان. وقد سبق ذلك جهود ومؤتمرات عديدة عقدتها اليونسكو (منظمة الأمم المتحدة للثقافة والعلوم والتربية) وهيئات عربية بحثت هذه القضايا واتخذت بشأنها توصيات هامة. وفي الأردن تشكلت رسمياً «اللجنة الوطنية الأردنية لتعليم حقوق الإنسان» في أيار عام 1999 وذلك لنشر وتطوير هذا التعليم في جميع المؤسسات التعليمية في البلاد.

الأمم المتحدة وحقوق المرأة شهدت العقود الأخيرة من القرن العشرين اعترافاً متزايداً بالدور الهام الذي تضطلع به المرأة في المجتمع. ويعود ذلك إلى أسباب عديدة من أهمها حجم التطور الاقتصادي والاجتماعي والحضاري الذي بلغته البشرية في كفاحها الطويل، ونضال المرأة الذي خاضته إلى جانب القوى التقدمية ضد الاستغلال والقهر الاجتماعي والطبقي والتمييز العنصري، وفي سبيل الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي.

كما يعود لاتساع الوعي بالعلاقة الجدلية بين تقدم المرأة وتقدم المجتمع بعد فشل عقد التنمية الثاني للأمم الامتحدة نتيجة تدني مشاركة المرأة في التنمية، اتخذت الأمم المتحدة قراراً بتخصيص عام دولي للمرأة (1975) ومن ثم عقد للمرأة تحت شعار المساواة والتنمية والسلام، عقدت خلاله ثلاثة مؤتمرات دولية.

وفي المؤتمر الثالث الذي عقد في نيروبي (1985) تم إقرار استراتيجية تطلعية للنهوض بالمرأة لعام 2000 والتي أصبحت مرجعاً للحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية وخلال عقد المرأة أقرت اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة.

ويعتبر مؤتمر المرأة العالمي الرابع الذي عقد في بكين عام 1995 نقطة تحول هامة في معالجة قضايا المرأة. كما شكل منهاج عمل مؤتمر بكين نقلة نوعية في العمل الجاد من أجل النهوض بالمرأة.

وجاء ثمرة لجهود وطنية وإقليمية ودولية من أجل إزالة العقبات التي تعترض تحقيق مساواة المرأة الفعلية وتمتعها بكامل حقوقها وزيادة مشاركتها في التنمية والمساهمة في تقدم مجتمعها وتطوره. وتبنى منهاج عمل مؤتمر بكين قرار المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة رقم 15/1990 والذي دعا إلى مشاركة المرأة في هياكل السلطة ومواقع صنع القرار بنسبة 30 بالمائة.

لماذا المرأة والديمقراطية وحقوق الإنسان

اتصفت المرحلة التي بدأت بالانتخابات البرلمانية عام 1989 بتحول هام في الوضع السياسي الأردني. فبعد تعطيل الحياة النيابية حوالي 20 عاماً، وبعد ثلاثة عقود من الحكم في ظل الأحكام العرفية والقوانين الاستثنائية وحظر الأحزاب السياسية، وإحكام القبضة على النشاط السياسي ووسائل التعبير والإهدار المستمر لحقوق الإنسان وغياب الرقابة الدستورية والشعبية والقهر المنظم وتعطيل أهم بنود الدستور المتعلقة بحقوق المواطنين، جرت انتخابات وظهرت معارضة سياسية علنية بعد أن عملت في ظروف سرية وألغيت الأحكام العرفية وتم ترخيص الأحزاب السياسية وانتعشت الحركة المطالبة بحقوق المرأة.لقد أثبتت تجربة شعبنا بأن غياب الديمقراطية وما يرافق ذلك من انتهاك لحقوق الإنسان والحرمان من الحريات العامة، ساهم بالإضافة إلى التقاليد والمفاهيم المتخلفة الموروثة في التضييق على المرأة وتعرضها للتمييز وعدم المساواة والتخلف وعدم الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار في ظل غياب الحياة الديمقراطية المبنية على الحرية والمساواة والمشاركة تأثرت المرأة بشكل مباشر.

فالنساء اللواتي شاركن في النضال العام وانخرطن بالأحزاب السياسية المحظورة تعرضن للاعتقال والفصل من العمل والمنع من السفر والملاحقة، وفرضت عليهن الإقامة الجبرية المنزلية ومختلف أشكال التضييق، كما أن غياب الديمقراطية والحياة النيابية فترة طويلة حرمها من الوصول إلى مواقع اتخاذ القرار ولاسيما السلطة التشريعية وبالتالي لم تتمكن من إلغاء التمييز في القوانين وتحديثها ولاسيما التي ورثناها من عهود غابرة، والتي تحكم وضع المرأة في الأسرة والمجتمع والعمل، ولا تتماشى إطلاقاً مع التطور المطلوب للنهوض بالمجتمع من خلال النهوض بوضع جميع أفراده.

كما أن غياب الديمقراطية قد أدى كما هو معروف إلى استشراء الفساد الأمر الذي ساهم مع غيره من العوامل في إغراق الأردن بالمديونية وتدهور الوضع الاقتصادي وزيادة نسبة البطالة والفقر وبالتالي كانت المرأة هي المتضرر الأول من ذلك.إن هذه الأوضاع قد دفعت المرأة والحركة النسائية إلى تصعيد نضالها الذي بدأته منذ أوائل الخمسينات من أجل نيل حقوقها. والعناصر التقدمية قد ربطت بين النضال الوطني العام والنضال من أجل حقوق المرأة والفئات المختلفة الأخرى.لقد أدركت المرأة في وقت مبكر بأن تحررها وحصولها على حقوقها وإلغاء الغبن اللاحق بها يرتبط ارتباطاً عضوياً بتحررالمجتمع وتقدمه وسيادة القانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، كما أدركت أهمية وصول المرأة إلى مواقع اتخاذ القرار ولاسيما إلى السلطة التشريعية.وقد استفادت المرأة الأردنية من التوجه العالمي نحو تحرر المرأة، ومساواتها وزيادة مشاركتها في التنمية وعلى أثر مؤتمر بكين، والذي أقر منهاج عمل يستند إلى إثني عشر محوراً من المحاور الأساسية التي تتعلق بالمرأة أقرت المنظمات غير الحكومية خطة عمل متقدمة بالاستناد إلى منهاج عمل مؤتمر بكين، لقد جاء في خطة العمل هذه أن الدستور الأردني لم يميز بين دور المرأة والرجل في نصوصه.

إننا على قناعة بأن المرأة لن تحصل على كامل حقوقها وإلغاء جميع أشكال التمييز ضدها دون اشتراكها مع الرجل على قدم المساواة في صنع القرار على جميع المستويات بدءاً من الأسرة وصولاً إلى صناعة القرار السياسي الأعلى، إذ من شأن ذلك أن يؤدي إلى توازن يعكس بصورة أدق تكوين المجتمع وهو أساس لتعزيز الديمقراطية وتشجيع التطبيق الديمقراطي السليم: الحرية والمساواة والمشاركة، فالمساواة في عملية صنع القرار الحكومي.

وفي هذا الصدد فإن اشتراك المرأة في الحياة السياسية على قدم المساواة في عملية صنع القرار الحكومي يؤدي دوراً بالغ الأهمية في عملية النهوض بالمرأة بشكل عام.فاشتراك المرأة في عملية صنع القرار على قدم المساواة لم يعد مطلباً من مطالب العدالة والديمقراطية الأساسية فحسب وإنما يمكن اعتباره كذلك شرطاً ضرورياً لمراعاة مصالح المرأة، فبدون اشتراك المرأة اشتراكاً نشطاً وإدخال منظورها في جميع مستويات صنع القرار لا يمكن تحقيق الأهداف المتمثلة في المساواة والمشاركة وبالتالي تعزيز الديمقراطية.

وخلاصة القول أن المرأة لها مصلحة في إقامة المجتمع المدني الذي يعني وجود التنظيمات الطوعية لمختلف فئات الشعب ومختلف الفعاليات والنشاطات ما بين الأسرة كأصغر وحدة في المجتمع وبين الحكومة.

يبقى أن نقول وقد دخلنا القرن الحادي والعشرين والعالم يتجه نحو العولمة، علينا مع بقية الشعوب الصغيرة أن نكون قادرين على التوحد واتخاذ مواقف موحدة في مواجهة الدول الكبيرة والتكتلات الاقتصادية العملاقة كي يبقى مصيرنا بأيدينا. وبالتالي فنحن بحاجة إلى منظمات مدنية مقربة ومجتمع مدني تظلله الديمقراطية السليمة المستندة إلى حماية حقوق الإنسان وحرياته العامة، والمشاركة في اتخاذ القرارات المتعلقة بحياة الشعب ومعالجة احتياجاته الأساسية وخاصة الفئات المهمشة ولاسيما النساء.

كما تبقى الديمقراطية المدخل الرئيسي لجميع المعضلات الكبرى التي تواجه الأردن والوطن العربي وعلى رأسها تعزيز استقلاله وسيادته ومعالجة مشكلة المديونية والأوضاع الاقتصادية والوقوف في وجه التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وتوفير الحياة الكريمة لأبنائه بالاستناد إلى المقومات الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان المستندة إلى تراث الإنسانية وما سطرته البشرية في المواثيق الدولية بالاعتماد على:

1- احترام التعددية السياسية ومبدأ تداول السلطة من خلال الاعتماد على مبدأ الانتخاب العام لعناصر السلطة التشريعية والتنفيذية وتعميم مبدأ سيادة القانون ودولة المؤسسات ومبدأ الفصل بين السلطات واحترام السلطة القضائية واستقلالها.

2- احترام التعددية الاجتماعية السياسية والنقابية والثقافية.

3- إنهاء جميع القيود التي تحول دون تواجد مجتمع مدني قوي يتكون من منظمات مستقلة لمختلف فئات المجتمع لتنظيمات سياسية ونقابية واجتماعية وثقافية.

4- توافر الحد الأدنى من الدخل، يضمن المستويات الغذائية والصحية والتعليمية والسكنية اللائقة بحياة كريمة.

5- توافر حد أدنى من الحقوق المدنية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبصفة خاصة:

أ. الحقوق الاجتماعية المتمثلة أساساً في المساواة بين المواطنين في جميع الحقوق، وفي كفالة حق التعليم والعمل والعلاج والسكن واعتبار حقوق المرأة حقوق إنسان. ب. الحقوق المدنية المتمثلة في ضمان الأمن الشخصي وحرية المسكن والحياة الخاصة بعدم التنصت أو اختراق الأسرار الشخصية وعدم الإيذاء البدني أو المعنوي.

ج. الحقوق السياسية وخاصة اعتناق الرأي والدعوة له وحرية تشكيل الأحزاب والنقابات والجمعيات الأهلية.

د. ثقافة ديمقراطية تقوم على قيم الحوار واحترام الرأي والرأي الآخر ورأي الأغلبية والتسامح.

هـ. إعلام ديمقراطي حر يكفل حرية تدفق المعلومات والآراء دون قيود.

و. حكم محلي شعبي حقيقي.

ز. توفير الإمكانيات الضرورية لقيام تنمية وطنية مستقلة وشاملة تستند إلى تعاون وتنسيق حقيقي بين القطاع العام والخاص والمختلط، من أجل حماية استقلال البلاد الاقتصادي والسياسي، وتوفير الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لمختلف فئات المجتمع ومنها المرأة والطفل والأسرة.

لاإملي نفاع.

الرأي-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate