حداثة و ديمقراطية

لماذا لا يهتم الشباب العربي بالفلسفة؟

دون تردد؛ يمكننا الزعم بأننا ما كنّا لنلمّ بسيرة سقراط وفلسفته، لولا ثلّة من الشباب الأثينيين المتحمّسين الذين التفوا حول هذا الفيلسوف الساخر والمرح، وظلّوا ملازمين له حتى بعد أن حُكم عليه بتجرّع السم، تكفيراً عن إقدامه على تسفيه آلهة أثينا، خلال أكثر المحاكمات الفكرية ديموقراطية عبر التاريخ؛ فقد سُمح للفيلسوف المشاغب بالتعبير عن قناعاته بحرية تامة، بل سُمح له أيضاً باختيار الطريقة التي يفضّل أن يموت بها! فأصرّ –لذلك- على رفض كل المحاولات التي قام بها مريدوه الشباب لتهريبه من السجن، وضرب بذلك مثلاً خالداً على ضرورة احترام قواعد اللعبة الديمقراطية التي أتاحت له حرية التعبير عن آرائه وحرية اختيار الطريقة التي يفضل أن ينهي حياته بها.

محتوانا الفلسفي العربي ما يزال أسير التأريخ المملّ للفلسفات القديمة من جهة وأسير القضايا الفلسفية التي عفى عليها الزمن من جهة ثانية

ولنا أن نتخيّل حجم الخسارة المعرفية الفادحة التي كنا سنُمنى بها، لو أنّ أبرز مريديه المتحمسين (أفلاطون) لم يتفطّر قلبه حزناً على موته، فهام على وجهه وساح في الأرض خمسة عشر عاماً، ثم ثاب إلى رشده وعاد إلى أثينا، ليكرّم ذكرى أستاذه فشاد (أكاديمية الفلسفة) التي استقطبت خيرة الشباب الأثيني وألّف (الجمهورية الفاضلة) التي وثّقت وعرضت وشرحت أبرز ملامح فلسفة المعلّم الراحل. وقد بلغ احترام الأكاديمية في أثينا حدّاً وصل إلى درجة عدم السماح لأرسطو نفسه بالتدريس فيها لأنه مقدوني، فاضطر لتعليم مريديه الشباب في ممرات الملعب الأولمبي مشياً على الأقدام!

 لا حاجة بنا إذن، للاستطراد بخصوص تأكيد حقيقة أنّ معظم جمهور الفلسفة عبر التاريخ، قد جاء من أوساط الشباب المثقّف والمتحمّس والباحث عن الحقيقة، ما ينقض الانطباع السائد لدى كثيرين، بخصوص اقتران الفلسفة بالعجائز الذين لم يبق لهم من هم في هذه الحياة سوى القبض على الحكمة الخالدة وسر السعادة الأبدية. ولكن هناك حاجة ماسة جداً للتساؤل عن أسباب إعراض الشباب العربي عن الفلسفة، إلى درجة أننا صرنا لا نستطيع منع أنفسنا من الاستغراب الشديد، إذا صادفنا شاباً مشغولاً بالدرس الفلسفي. ولعل الإصرار على مواصلة القول بهيمنة الثقافة التقليدية فضلاً عن دور السلطات السياسية في محاصرة الفلسفة، لم يعد كافياً، لأنّ هاتين العقبتين صارتا أشبه بمتلازمتين مطّردتين في معظم المجتمعات، ما يعني ضرورة البحث عن أسباب أخرى تقبع غالباً في نوعية المحتوى الفلسفي وأسلوب تقديمه ونمط الأشخاص الذين يضطلعون عادة بتنفيذه.

ويؤسفنا القول بأنّ محتوانا الفلسفي العربي ما يزال أسير التأريخ المملّ للفلسفات القديمة من جهة وأسير القضايا الفلسفية التي عفى عليها الزمن من جهة ثانية. كما أنّ الأسلوب المتّبع في تعليم الفلسفة ما يزال أسير الإملاء والتلقين والسرد. وأما نمط الأشخاص الذين يعلّمون الفلسفة فهو صارم ومنطو على نفسه. وبعبارة مختصرة؛ فإنّ اختلال المضمون وفساد الوسيلة وجمود المُرسل، تفسر وتجيب إلى حد بعيد عن السؤال الذي طرحناه. فكيف يمكن لنا أن نعيد شبابنا إلى حومة الفلسفة؟

قياساً على طبيعة المسائل التي كانت تشغل بال الشباب في أثينا وبال غيرهم من الشباب في الحضارات والمجتمعات والعصور التالية، يمكننا المغامرة باقتراح عدد من القضايا التي يمكن تأصيلها وتأهيلها فلسفيا. ولعل قضية (الهوية) في ضوء واقع الاغتراب الثقافي والروحي والاجتماعي والاقتصادي الذي يرزح الشباب العربي تحته، تصلح مدخلاً مناسباً لتقريب هؤلاء الشباب من الفلسفة، لأنهم يعيشون -حقيقة وليس مجازاً- حالة متقدّمة من الاغتراب عن ذواتهم وواقعهم وتاريخهم ومستقبلهم.

 ولا ريب في أنّ قضية (العولمة) بأبعادها العملية والنظرية، وفي ضوء واقع انهيار الحدود والسقوف المادية، جرّاء بزوغ العديد من الثورات الرقمية، تصلح أيضاً مدخلاً لاستقطاب الشباب العربي باتجاه الانخراط في فلسفة الواقع وفلسفة المتخيّل، فضلاً عن الإسهام في بلورة رؤية مستقبلية لهذا التجاور الذي راح يمور بكثير من الإشكالات والتعقيدات.

 أما قضية (أخلاقيات التجارب العلمية) أو المدى الذي يمكن لنا أن نبلغه على صعيد هندسة الجينات البشرية بوجه خاص، فهي على درجة كبيرة من الخطورة، لما يمكن أن يترتب عليها من إجابات قد يفضي بعضها بالمجتمعات البشرية إلى عالم السادة المتفوقين الكاملين والعبيد المستضعفين المضطهدين، وقد يفضي بعضها الآخر بالمجتمعات البشرية إلى عالم التكافؤ والعدالة والمساواة. وأما قضية (البيئة) وضرورة العمل على إعادة التوازن المطلوب للكرة الأرضية بعد أن تجاوز الإنسان كل الخطوط الحمراء على صعيد استهلاك الطاقة واستنزاف موارد ودروع الكوكب، فهي جديرة بأن تشرك شبابنا العربي في البحث عن حلول عملية لواقع الفوضى البيئية في الوطن العربي.

حان زمن الحلقات النقاشية ومجموعات التفكير والعصف الذهني والصفوف المعكوسة والمناظرات التلقائية والرحلات المعرفية، وهذه كلّها تتطلّب مدرّسين متمكّنين معرفياً وأكفياء لغوياً وجاذبين شخصياً

ومن البديهي أن نستحضر (أخلاقيات السياسة) بوصفها القضية القديمة الجديدة التي لم يغلق باب الكلام فيها، وخاصة بعد أن انفض الشباب العربي عن السياسة اليومية بوصفها شكلاً من أشكال الانتهازية والمزاودة والدّجل، واتجهوا إلى عوالم الرياضة والغناء والأزياء والتطبيقات التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي؛ فمن حق شبابنا العربي الخوض مجدداً في مسائل مثل الديمقراطية والتعددية والحرية والحق في الحوار والشفافية.

 ورغم أهمية وضرورة الاتفاق على ماهية القضايا الحيوية المعاصرة التي يمكن تأهيلها ومعالجتها فلسفياً، فإنّ ضرورة الاتجاه لتحديث أساليب وأشكال تعليم الفلسفة لا تقل أهمية؛ لأن زمن السرد والتلقين والإملاء ولّى، وحان زمن الحلقات النقاشية ومجموعات التفكير والعصف الذهني والصفوف المعكوسة والمناظرات التلقائية والرحلات المعرفية. وهذه كلّها تتطلّب مدرّسين متمكّنين معرفياً وأكفياء لغوياً وجاذبين شخصياً.

لغسان عبد الخاق.

حفريات-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate