اصلاح ديني

العصبية.. ملّة الانتهازيين وعقيدة المتشددين

تتسم العصبية بسمتين أساسيتين: السلفية والأصولية؛ ولا تقتصر هاتان السمتان على العصبيات الدينية – المذهبية، التي تتصارع على المشروعية، أو على “ذروة المشروعية العليا”، بتعبير محمد أركون، والتي ترى كل منها أنّها “الملة الناجية” وصاحبة العقيدة القويمة (الأرثوذكسية)، والدين الصحيح، وحاملة لواء الحقيقة، والمخولة وحدها؛ بل المكلفة وحدها بتقرير مبادئ الحق والأخلاق؛ بل تشملان العصبيات الإثنية، والأيديولوجية، كحزب البعث في سوريا والعراق ولبنان، والأحزاب الشيوعية كافة، ولا سيما العربية منها. وحين تتضافر السلفية والأصولية لا ينتج من تضافرهما سوى الانغلاق والتقوقع على الذات والعزلة عن العالم والعداوة المستحكمة لحرية الضمير.

جماعات الإسلام السياسي لا تقوم على الإيمان بل على القبول التام بكل ما تطالب به الجماعة وكل ما تدافع عنه

العصبية المذهبية، دينياً كان المذهب أم غير ديني، لا تقوم على مقتضيات العقل والضمير الفرديين؛ بل على عقيدة جمعية، أيديولوجية، تحجب العقل والضمير، بقدر ما تحجب الواقع المعيش، وتذيب الفرد والفردية في سديمها. “الجماعات الإسلامية والأحزاب العقائدية جماعات بلا أفراد، أو هويات بلا ذوات”، حسب تعبير موفق لفتحي المسكيني، فجماعات الإسلام السياسي لا تقوم على الإيمان، وهذا شأن من شؤون الضمير، لا تمكن معرفته، ولا يمكن سبره وقياسه؛ بل تقوم على القبول الصريح التام بكل ما تطالب به الجماعة، وكل ما تدافع عنه؛ لأن “العصبية مطالبة ومدافعة”، حسب تعبير ابن خلدون، وتقوم، من ثم على الرفض التام، لكل من يخالف الجماعة أو يختلف عنها أو يختلف معها.

بهذا فقط تصير العصبية هوية ثابتة ومغلقة على يقينياتها ومطلقاتها، ومنقطعة عن العالم (المسكون بالشرور)؛ إذ لها عالمها الخاص، الذي تريد أن تجعل العالم مثله. كل واحدة من جماعات الإسلام السياسي اليوم تريد أن يكون المسلمون كافة مثلها، ويأتمون بها، ويخضعون لحكمها، وإلا فهم غارقون في الجاهلية، وقتالهم واجب ديني، هذا ما يؤكده نزاع الهويات على مر التاريخ إلى يوم الناس.

نزاع الهويات هو ما يخترق اليوم هذه المنطقة الواقعة بين السد والمحيط، وينداح منها إلى جميع أنحاء العالم. العصبية مؤسسة بشرية؛ بل مؤسسة دنيوية خالصة، وهوية تثابر على توكيد امتيازها واختلافها تحت اسم الدين، بل تحت اسم الدين الصحيح والدين القويم، وهذا شأن كل عصبية، كثر أتباعها “أم قلوا”. إذاً، “تتأسس العصبية على الرفض والإقصاء، وتنمو وتنتعش بالانتقاء والتزكية”، كما يصفها عبد الله العروي، وقد تتجاوز مجرد الإقصاء إلى الاستئصال، في ظروف معينه، كالتي تعيشها سوريا، على سبيل المثال، لا الحصر.

العصبية هي كل جماعة عقائدية منظمة دينية أو غير دينية تجعل من العقيدة سياسة ومن السياسة عقيدة

نعني بالعصبية هنا والآن كل جماعة عقائدية منظمة، دينية كانت أم غير دينية، تجعل من العقيدة سياسة، ومن السياسة عقيدة، وتريد أن تصير “الملة” أمة ودولة، وأن تصير الأمة والدولة ملة. (هكذا الجماعات الإسلامية حزب البعث والأحزاب الشيوعية). العصبيات التي تجعل من “العقيدة” سياسة، ومن “السياسة” عقيدة تتسم كلها بازدواجية واضحة وفاضحة بين دوغمائية العقيدة وجمودها، وديناميكية السياسة ومرونتها. إذ السياسة، في نظرها، مطالبة ومدافعة.المطالبة والمدافعة تعنيان أنّ السياسية شأن دنيوي خالص، لذلك تلبس هذه الجماعات “السياسية” لكل حال لبوساً مختلفاً، فهي تميل إلى الموادعة والمسالمة حين تكون ضعيفة، أو بلا ظهير دولي أو إقليمي، وتمتشق السيف حين تقوى شوكتها، أو حين تستقوي بهذه الدولة أو تلك، فتتحول إلى مجرد أداة، كما هي حال الإخوان المسلمين السوريين وغيرهم من الجماعات الإسلامية إزاء تركيا أو دولة قطر وغيرهما، أو إزاء إيران وروسيا والنظام السوري.

وإذا أخذنا جماعة الإخوان المسلمين مثالاً، على اعتبارها تنظيماً عالمياً، يلاحظ أنها مقاتلة هنا، ومسالمة هناك، والمبادئ هي المبادئ ذاتها في الحالين، لكن في الأيديولوجية متسع لتبرير أي موقف وأي سلوك.

إرادة السلطة لا تعني إرادة السياسة أي إرادة المصلمة العامة بل إرادة السيطرة من أجل المصالح الخاصة

واللافت أن التشدد الأيديولوجي يزداد كلما صارت الممارسة “السياسية” أكثر “مرونة”، يجب أن نقول: أكثر انتهازيةً وبعداً عن الاستقامة الأخلاقية. الإخوان المسلمون في هذا كالنظام السوري؛ كلما ازدادت سياساته طائفية وتوحشاً ازداد خطابه القومي “المقاوم” و”الممانع” تشدداً، وكذلك الشيوعيون المتحالفون معه. الإسلامويون والقومويون وجهان للعملة ذاتها؛ لأن هؤلاء وأولئك لا يريدون سوى السلطة والاستئثار بها واحتكارها ما أمكنهم ذلك. إرادة السلطة لا تعني إرادة السياسة؛ أي إدارة الشؤون العامة وإرادة المصلمة العامة والخير العام؛ بل تعني إرادة السيطرة “من أجل الغنيمة والعشيرة والعقيدة”، حسب تحليل محمد عابد الجابري لمعنى السياسة في التاريخ العربي الإسلامي. لذلك تسمي الجماعات الإسلامية المقاتلة في سوريا (بما فيها الجماعات الشيعية) الأموال المنهوبة “غنائم حرب”، وتتعامل مع النساء على أنهن سبايا حرب (لا أسيرات)، يحق لأفرادها التمتع بهن والمتاجرة بهن أيضاً.ذكرنا حزب البعث والأحزاب الشيوعية إلى جانب الجماعات الإسلامية، لتأكيد حقيقة أنّ الجماعات الإسلامية المنظة، السنية منها والشيعية، هي جماعات سياسية، (عصبيات حديثة)، لا جماعات دينية، فهي تقوم على المصالح، لا على المبادئ، تنشد السلطة ولا تبالي بمكارم الأخلاق، ولا يجوز بحثها نظرياً والتعامل معها سياسياً، إلا على هذا الأساس، وهذا مما يكشف زيفها ويقوض كيانها، وأي مناقشة لاهوتية لهذه الجماعات هي من قبيل تحويل المسائل السياسية إلى مسائل لاهوتية، وهذا بالضبط هو معنى الطائفية، ومغزى العنصرية الكامنة فيها.

لجاد الكريم الجباعي.

حفريات_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate