حداثة و ديمقراطية

حال العولمة في آسيا.

كان لدى موريس تشانغ، مؤسّس «شركة تايوان لصناعة أشباه الموصّلات» والرّجل المعروف بـ«أب» صناعة الرّقائق الدّقيقة، بعض الكلمات المهمّة عندما تحدّث في افتتاح مصنعٍ جديدٍ لشركته في مدينة فينيكس بولاية أريزونا، الأسبوع الماضي. في الحدث الذي حضرته مجموعة من الرّؤساء التّنفيذيّين لشركات تكنولوجيّة والرّئيس الأمريكيّ، جو بايدن، قال: «العولمة على وشك الموت، والتّجارة الحرّة على وشك الموت. ومع ذلك، الكثير من النّاس يرغبون في عودتهما، لكنّني لا أعتقد أنّهما سيعودان».

كلمات قويّة. لكن أوّل ما ذكّرني به هذا التّصريح هو محاضرة ذهبت إليها، في منتصف التّسعينيّات من القرن الماضي، وكان من المقرّر أن يتحدّث فيها المؤلّف والأكاديميّ مالكولم برادبري عن «موت الرّواية». سردَ برادبري المناسبات العديدة في العقدين الماضيين التي تُوُقّع فيها انتهاء الصّلاحية الوشيك للشّكل الفنّيّ الذي هو الرّواية. ومع ذلك، ها نحن، جميعاً، أمام روايات جديدة بأصوات طازجة تظهر كلّ شهر.

نهاية العولمة

بالمثل، أعلن العديد من المعلّقين ومراكز الفكر نهاية العولمة، خاصّة خلال العام الماضي أو نحو ذلك. أصبح الأمر شائعاً لدرجة أنّ الكثيرين يهزّون رؤوسهم بدراية عندما يسمعون هذه التّصريحات تتكرّر، لا سيما أنّ «العولمة» أصبحت مرادفاً في بعض الأوساط لنموذجٍ رأسماليّ استغلاليّ أدّى إلى تفاوتات أسوأ، وزيادة للاحتباس الحراريّ، وصعود للقومويّين الشّعبويّين الذين يستغلّون ردّ الفعل العنيف الذي تسبّبت فيه هذه الظّاهرة.

الآن، في حالة الرّقائق الدّقيقة، من المؤكّد أن تشانغ يعمل على شيء ما. تقود الولايات المتّحدة جهداً لتقييد وصول الصّين إلى هذه التّكنولوجيا الحاسمة – التي يعتبرها البعض شبيهة بفعل من أفعال الحرب – وتعمل على تكثيف الإنتاج على مستوى الدّولة. ويمكننا أن نكون على يقين من أنّه في المستقبل المنظور، ستكون الأسواق الأوروبيّة أقلّ اعتماداً على واردات الغاز الرّوسيّ. وتُعدّ جائحة «كوفيد-19» أحد العوامل العديدة التي جعلت مجموعة واسعة من البلدان تبدأ في بناء سلاسل توريد محلّيّة خاصّة بها بحيث تكون أقلّ عرضة لخطر الاضطرابات في تسليم المخزون في الوقت المناسب من الخارج.

تحسين المرونة الوطنيّة

لذلك، نعم، تغيّرت بعض الأشياء. إنّ تحسين المرونة الوطنيّة هو مسار عمل معقول في عالم يفتقر لليقين، وإذا كان بإمكان المستهلكين الحصول على المواد الغذائيّة، على سبيل المثال، من منطقتهم بدلاً من الحصول عليها من منطقة على بعد آلاف الكيلومترات، فإنّ ذلك يمكن أن يكون مفيداً للجهود المبذولة لإنقاذ الكوكب من الانحلال البيئيّة.

لكن من نواحٍ كثيرة، فإنّ تَكَامُل اقتصادات العالم يتزايد، ولا ينخفض. فهذا هو العام الذي دخل فيه أكبر اتّفاق للتّجارة الحرّة في التّاريخ، «الشّراكة الاقتصاديّة الإقليميّة الشّاملة»، حيّز التّنفيذ. بقيادة «رابطة أمم جنوب شرق آسيا» المكوّنة من عشر دول أعضاء، تشمل الشّراكة الصّين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وأستراليا، ونيوزيلندا، وتغطي حوالي 30 في المائة من سكّان العالم و30 في المائة من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ.

تُعدّ جائحة «كوفيد-19» أحد العوامل العديدة التي جعلت مجموعة واسعة من البلدان تبدأ في بناء سلاسل توريد محلّيّة خاصّة بها بحيث تكون أقلّ عرضة لخطر الاضطرابات

تُعدّ جائحة «كوفيد-19» أحد العوامل العديدة التي جعلت مجموعة واسعة من البلدان تبدأ في بناء سلاسل توريد محلّيّة خاصّة بها بحيث تكون أقلّ عرضة لخطر الاضطرابات هناك اتّفاق تجاريّ آخر، وهو «الاتّفاق الشّامل والمتقدّم للشّراكة عبر المحيط الهادئ»، الذي تمثّل الدّول الـ 11 الموقّعة عليه 13 في المائة من النّاتج المحلّيّ الإجماليّ العالميّ، يُثبت أنّه جذّاب بدرجة كافية لدرجة أنّ ستّ دول، بما في ذلك المملكة المتّحدة والصّين، قدّمت طلبات للانضمام إليه.

على مستوى أصغر بكثير، على الرّغم من أهميّة ذلك الكبيرة للبلد، حصلت دولة تيمور الشّرقيّة، أخيراً، على الضّوء الأخضر للانضمام إلى «الشّراكة الاقتصاديّة الإقليميّة الشّاملة».عند الاتّجاه أكثر إلى غرب آسيا، أدّت زيارة الرّئيس الصّينيّ، شي جين بينغ، إلى المملكة العربيّة السّعوديّة، إلى توقيع اتّفاقيّات استثمار بقيمة 50 مليار دولار – وكان ذلك فقط مع المملكة. وكما كتبت زميلتي راغدة درغام، فإنّ قمّتين أخريين حضرهما شي جين بينغ مع قادة من دول الخليج وقادة إقليميّين «أطلقتا شرارة البدء» لمستقبل من الشّراكة المتزايدة والتّنمية المشتركة.

وتواصل «مبادرة الحزام والطّريق» الصّينيّة الطّموحة التّوسّع. وفي وقت سابق من هذا العام، أطلق بايدن «الإطار الاقتصاديّ لازدهار منطقة المحيطين الهنديّ والهادئ» المكوّن من 15 عضواً. كما أدّى تدافعٌ جديدٌ على النّفوذ والتّجارة في أفريقيا إلى قيام دول من جميع أنحاء العالم بالبحث عن فُرَص في قارةٍ من المتوقّع أن تُشكّل ربع سكّان العالم بحلول عام 2050.

ما المشترك أعلاه؟ كلّها أمثلة على تعزيز التّعاون، والتّجارة الحرّة، والتّواصل في آسيا والمحيط الهادئ والجنوب العالميّ. إنّها أمثلة تدحض كلمات تشانغ وغيره من روّاد زوال العولمة. قد يكون الحال أنّ النّموذج الذي ناسبَ أمريكا جيّداً لفترة طويلة يتعثّر، لكن من الواضح أنّه يزدهر في بقيّة العالم.

هذا بعيدٌ كلّ البعد عن الحجّة التي طرحها المؤرّخ الويلزيّ هيويل ويليامز بأنّ العولمة ظاهرة «شديدة القِدَم» إلى حدّ أنّه قدّم مثالاً عن تطوّرات متزامنة في التّفكير العلميّ في اليونان، والصّين، والهند في القرن السّادس قبل الميلاد. كتب: «ليس من غير المعقول على الإطلاق أن تكون هذه القطارات الفكريّة المتشابهة قد اتُّبِعَت في قارات ودول مختلفة بسبب الطّرق البرّيّة والممرّات البحريّة التي ربطت الشرق بالغرب.

لقد طُوّرت قنوات الاتّصال هذه لأغراض تجاريّة، وغالباً ما تنتقل الأفكار بالطّرق نفسها التي تنتقل بها البضائع وحمولات الشّحن».

كلّ ذلك يجعل الحديث، من دون أيّ عدم احترام لتشانغ، عن موت العولمة بضحالة فكرة أنّ «التّاريخ» قد انتهى بانهيار الشّيوعيّة. قد تتبع بعض البلدان مسارات النّهج الحمائيّ ، في الدّعم والفصل، ولكن كما أوضح تقرير لـ«منظّمة التّجارة العالميّة»: «العولمة لا تتباطأ أو تتوقّف. بل إنّها تتطوّر، مدفوعة بالتّجارة في المهارات، والمعرفة، والبراعة البشريّة».

إنّ تعدّد الاتّفاقيّات والمبادرات التّجاريّة، مؤخراً، في آسيا والمحيط الهادئ والجنوب العالميّ وحده كلّ ما هو مطلوب كدليل.

لشولتو بيرنز ترجمة محمد الدخاخني.

حفريات_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate