المرأة

لا حرية للنساء من دون مجتمع حرّ.

تحمل المقولة الشهيرة للأم الروحية للموجة النسوية الثانية، سيمون دوبوفوار، “لا يولد الشخص امرأة، إنه يصبح كذلك” عناوين كثيرة عريضة تندرج تحتها، وتفسّر الصورة النمطية للمرأة والإصرار على تكريسها وحمايتها من أجل استمرار السيطرة عليها بدعاوى متنوّعة، استنادًا إلى مزاعم تتكئ على الفلسفة والدين وعلم الاجتماع، وحتى البيولوجيا والفيزيولوجيا وغيرها من علومٍ يمكن أن تسوق الحجج على اختلاف المرأة، وأحيانًا استثمار هذا الاختلاف لتبرير دعوى دونيتها، فإذا كانت هذه المقولة تكشف عن الدور الكبير الذي تلعبه التنشئة الاجتماعية في أن تصبح البنت بنتا، فضلا عن القوانين والشرائع والقيم الأخلاقية وسطوة العادات والتقاليد التي تنظم العلاقات بين الجنسين في المجتمع، فإن في الأنظمة السياسية القائمة على أساس ديني، وهي شمولية بالطبع، تسعى، في سبيل ترسيخ دعائمها، إلى تعزيز هذه الأدوات مجتمعة، بالإضافة إلى تسخير القوانين العامة لأجل تعزيزها.

منذ قيام الثورة الإسلامية في العام 1979، فرضت السلطات نمطًا محدّدًا من الأزياء على النساء، بحيث يرتدين أزياء واسعة، وغطاء للرأس. في أعقاب الثورة تلك، وإذا استذكرنا من التواريخ القريبة وليس البعيدة، حوادث ضجّت بها الصحف والمحطّات، ومن ثم لاحقًا مواقع التواصل والمدوّنات، فإن هذا التاريخ زاخرٌ بحوادث صارخة وصادمة عمّا يُمارس بحق النساء من عنف واضطهاد وهدر كرامات وسلب حريات وقمع وحرمان من الحقوق وغيرها الكثير، بدعوى حماية الأخلاق والفضيلة، وبالاستناد إلى القانون، وإنشاء مؤسساتٍ تابعةٍ للنظام يقوم بهذه المهمة، تأديب النساء في الدرجة الأولى، وتأديب المجتمع بشكل عام، وذلك بزجّه بالقوة في الأنساق المسبقة التي يحدّدها النظام الحاكم، مستغلًّا الدين في دعاواه، ففي إبريل/ نيسان من العام 2018، انتشر مقطع مصوّر تظهر فيه شرطية من دوريات “الإرشاد والأخلاق”، وهي تقوم بضرب (وسحل) فتاة لا يتعدى عمرها 20 عامًا، بدعوى أن حجابها لا يُغطي شعرها بالكامل، صرّح على إثرها رئيس السلطة القضائية الإيرانية، صادق لاريجاني، بأن الشرطة يجب أن لا تتراجع عن موقفها أو حتى تعتذر، وزاد على ذلك بقوله: “كل من ينتهك القانون يجب أن يُحاسَب، ولا بد أن تتمسّك الشرطة بموقفها وإلا سينتشر أمر اختراق القانون بين الناس ويعرّض أمن البلاد وأمانها للخطر”. وكالعادة في أنظمة مستبدّة من هذا النوع، فإن المؤامرة حاضرة، وهي المسؤولة عن أي احتجاج شعبي، مثلما غرّد عمدة طهران تعليقًا على الاحتجاجات التي عمّت مدنا إيرانية عديدة بعد مقتل مهسا أميني، على حسابه على منصة تويتر، قائلا: إن المظاهرات “مرتّبة بشكل كامل، بهدف خلق حالة من الفوضى”، فهل مهمة القانون خنق الحريات أم حمايتها؟

تمتلك شرطة الإرشاد دورياتٍ عديدة تطوف الشوارع في إيران ليلًا ونهارًا، ولها حقّ فرض الغرامات المالية الفورية على أي سيدةٍ تخالف المعايير التي وضعها النظام.

وجرت في 28 إبريل/ نيسان الماضي مشاجرة بين عناصر شرطة الأخلاق الإيرانية من جهة وبطل الملاكمة السابق رضا مراد خاني وزوجته ماريا عرفي، التي تمارس رياضة الملاكمة هي الأخرى، وعندما دافع الزوج عن زوجته بعد تعرّضها لمضايقاتٍ بسبب طريقة لبس الحجاب، تلقى الرياضي الإيراني أربعة أعيرة نارية في جسده، تركت لديه شللًا جزئيًّا، وهو بطل الملاكمة السابق لإيران وآسيا. تمتلك شرطة الإرشاد دورياتٍ عديدة تطوف الشوارع في إيران ليلًا ونهارًا، ولها حقّ فرض الغرامات المالية الفورية على أي سيدةٍ تخالف المعايير التي وضعها النظام الايراني، وأيضًا لها حق اعتقال الأفراد. ويبلغ عدد أفراد شرطة الإرشاد في العاصمة طهران فقط نحو سبعة آلاف عنصر، بحسب تصريح رئيس الشرطة السابق عام 2016. وقد دفعت هذه الممارسات فائقة السطوة والعنف في العام 2016 بعض الشباب الإيرانيين، إلى محاولة الهرب من رعب شرطة الأخلاق، إلى أن قام بعض المبرمجين بتطوير تطبيق باسم “غرشاد”، وطرحه على متجر “غوغل” الإلكتروني. ويعتمد التطبيق على خدمة GPS لمعرفة أماكن وجود دوريات الإرشاد وتفاديها، فإذا كان الشخص يريد أن يعرف فيما لو كان هناك شرطة أخلاق في المكان الموجود فيه، فالتطبيق يوفّر تلك الخدمة، إذ يستطيع أن يتفادى الدورية بفضله، إلا أنه وبعد أسبوع واحد فقط من طرحه استطاعت السلطات الإيرانية حجبه على الفور.

يمنع النظام الشمولي التعدّدية والاختلاف، ويصادر القرار أو حرية الاختيار. ويعمل على تحقيقها قسراً بعد سيطرته على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.

لا يسمح النظام الشمولي بالحرية الفردية، يمنع التعدّدية والاختلاف، ويصادر القرار أو حرية الاختيار. ويعمل على تحقيقها قسراً بعد سيطرته على السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية، وجعلها أدوات لتحقيق أهدافه، والقيام بقمع معارضيه أو قهرهم أو ترويضهم، بالإضافة إلى تعزيز البقاء على مجتمع منغلق محكم القيادة والانضباط كما يريد النظام، وليس خافيًا ما تعاني منه النساء في إيران، ولا في أي بلدٍ مشابه، يتضافر فيه الاستبداد السياسي الاجتماعي والديني، وليست مهسا أميني هي الأولى ولا الأخيرة، فهناك مئات النساء اللاتي يتعرّضن للعنف يوميًّا على يد شرطة الإرشاد، ولا أحد يعلم عنهن شيئًّا، كما تقول إحدى الناشطات في مجال حقوق الإنسان. ليس هذا فحسب، بل هناك مئات ممّن يتعرضن لشتى أنواع الاضطهاد والعنف والسيطرة من الرجال في الحياة العامة، إن كان في البيت أو الشارع أو العمل أو المدارس والجامعات وغيرها، وكي لا نسقط في فخّ التفاؤل المبالغ فيه، فلا بد من الإقرار بأن المجتمع الإيراني ليس بغالبيته ضد النظام وممارساته، على الأقل، فيما يخصّ الحريات، وبشكل خاص حرية المرأة، فهناك مجتمعٌ عميق، تتحكّم فيه ما يمكن تسميتها السلطة الحيوية التي كتب عنها فوكو، والتي لا يمكن إهمالها في المجتمعات، هذه السلطة التي يكون تفتيتها صعبًا كلّما استندت إلى العقائد، خصوصا الدينية منها، وكلما طال زمن تمكّنها من المجال العام، هذا ما نرى تأثيره لدى اللاجئين، والسوريين منهم أيضًا، الذين لم يستطيعوا تقبّل قيم المجتمعات الغربية التي وصلوا إليها، القيم التي تصون الحريات، وتعطي المرأة حقوقها والمواطنين بشكل عام، وترفع قيمة القانون إلى المرتبة العليا في تنظيم الحياة وضبطها. ولذلك تكثر جرائم القتل تحت ذريعة الشرف.

الأمر أكبر من أفكار ونظريات نسوية، إنه يتعلق بكرامة الإنسان بالمجمل، من دون تمييز جندري أو عرقي أو قومي أو ديني.

تقول الباحثة المصرية، أميمة أبو بكر، عن النسوية الإسلامية: إنها “مشروع بحثي فكري يهدف إلى إنصاف النساء وتحقيق العدالة لهن والمكانة الإنسانية المتساوية، من خلال المرجعية الإسلامية واستلهام أو تفعيل المبادئ الأخلاقية العليا للقرآن والسنة الصحيحة”، فهل يمكن القول إن هذه المبادئ العليا التي تتحدّث عنها كافية لضمان العيش الكريم للمرأة بوصفها فردا ينتمي إلى القرن الواحد والعشرين؟ الأمر أكبر من أفكار ونظريات نسوية، إنه يتعلق بكرامة الإنسان بالمجمل، من دون تمييز جندري أو عرقي أو قومي أو ديني، إنه اعتبار الإنسان قيمة سامية يستحق النضال من أجل صونها وحمايتها، فعندما تصل المجتمعات إلى مستوى من الوعي بذاتها وحقوقها من حرية وكرامة وقدرة على تشكيل رأي والتعبير عنه، واكتساب مؤهلات العيش في دولٍ حديثة، تقوم على المواطنة وسلطة القانون والمشاركة في الحكم وصنع السياسات الخاصة ببلاده وحياته، عندها تصبح قضية المرأة في مراتب خلفية، وذلك لتقلّص مبرّرات وجودها، فالمرأة مواطن إنسان ليس أكثر ولا أقل.

هذا ما تحتاجه الشعوب في الدرجة الأولى، وعي ذاتها، حقوقها، حرياتها، ومنها حرية المعتقد أو عدمه، وبذلك يمكن للمرأة أن تخفي شعرها أو لا تخفيه، لكن منطقتنا، الشرق الأوسط ومنها إيران، اللافت للنظر تحويل ثورات الشعوب العربية فيها إلى حروب بين الأنظمة الشمولية والإرهاب المتمثل بالتنظيمات الراديكالية، وإعادة إنتاج الأنظمة الشمولية الوظيفية باسم الدين، بينما لدى إيران نظام ديني شمولي منجز وراسخ وقمعي، فإلى ماذا ستؤول الانتفاضات التي قوبلت بالعنف منذ اليوم الأول؟

لسوسن جميل حسن.

العربي الجديد_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate