المرأة

صُورة المرأة بين الماضِي و الحاضر: سُؤال الهويّة بين الحداثة والتقليد

لا جدال في أن تاريخنا مليء بسلوكات و بتقاليد ثقافية تحطّ من قيمة المرأة سواء في تاريخنا المحلّي أو القومي أو الدّيني. و لكي لا اذهب بعيدا في التّحليل أقف عند النّموج الإيراني، و تحديدا موضوع المرأة، الذي هو المدوّنة التي تمثل إلى حد ما قدرة توفيقيّة كُبرى بين ما في تراثها من تحرّر كامن و من قدرة على التطوّر و بين الأفكار الحداثيّة و ذلك عندما تتوفّر الإرادة السّياسيّة التي هي تعبير عن إرادة المجتمع و إصغاء لرغبته في التطوّر. فمع توفر الإرادة السياسيّة يصبح التعارض بين الحداثة والتقليد مسألة قابلة للتجاوز ، خاصّة إزاء حكومة ترفض كلّ ماهو غربي و غير محلّي . فالفكر التّحديثي هو فكر تحريري للمرأة في العديد من المجالات و إقرار لحقوقها و حرّياتها، ولكنه أيضا فكر لتحرير الرجل المُجتمع من النظرة الاختزاليّة للمرأة في قضاياها المُختلفة .

ولقد عانت المرأة العربيّة المُسلمة في فترات أنظمة الفساد والطغيان من نوعين من الاضطهاد، اولها كمواطنة تمّت مصادرة كل حقُوقها وحريّاتها الأساسيّة، واضطهادها كجنس والنّظرة الدُّونيّة التي كرّستها مُجتمعات الرقّ و الاقطاع والرّأسماليّة التي تنظر للمرأة كسلعة ، لا كمواطن له حقوق متساوية مع الرجل، اضافة لإستغلال الدّين والتقاليد البالية لاضطهادها . فلم يكن غريبا مشاركة المرأة جنبا الي جنب مع الرجل في الثّورات العربيّة و الإسلاميّة ، مثلما شاركت المرأة بنشاط في كل الثّورات التي غيّرت مجرى التاريخ العالمي مثل الثّورة الفرنسيّة والثورة الرُّوسيّة.و الثّورة الإيرانيّة، كأوّل ثورة ظافرة في تاريخ الإسلام السّياسي الحديث، نموذجيّة في مُحاربتها المدرُوسة للحداثة. فقد هيّأت جميع التدابير واتخذت جميع الاحتياطات الضّرُوريّة لاجتثاث الحداثة الغربيّة بسدّ المنافذ التي يمكن أن تتسلّل منها إلى وعي الإيرانيين وأسلوب حياتهم. بما أن المؤسّسة المدرسيّة هي وسيلة أساسيّة لإعادة صياغة وعي الأجيال الجديدة، فقد بادرت القيادة الإسلاميّة إلى إغلاقها لمدة سنتين لأسلمة المناهج والكادر المدرسي لتأثيث الوعي الجمعي بالأحكام الشرعيّة والرُّؤية الإسلاميّة للعالم. فوجب تحليل ورصد مصائر الإسْلام السياسي الذي جعل من أساسيّات مشروعه الدّيني- السّياسي استئصال الحداثة الغربيّة من أرض الإسْلام ليزرع على أنقاضها “الحداثة الإسلاميّة” بما هي “إعادة الخلافة والتطبيق الكامل للشّريعة”.

لكن عند تعمّقنا في دراسة تاريخ النّساء الإيرانيّات، لاحظنا سيطرة رجال الدّين عليهنّ، و ذلك منذ القرن السّابع ميلادي و صُولا الى حكم “الملاّلي” و يُحدّد محمّد الخبّاز في كتابه صُورة المرأة في التُّراث الشيعي ” أنّ أصحاب العقل النّصّي المُعاصرين يقولون إنّ الاسلام أكرم المرأة و رفع من شأنها ، لكنّهم ما قالوا ذلك للّدفاع عن حقوق المرأة بل للدّفاع عن النصّ، لكيْ لا يُقال عنه إنّه غير حضاري. فهم يرفعُون تكريم الاسلام للمرأة شعاراً فقط، لكنك حين تنظر الى واقع المرأة في المُجتمعات الدّينيّة فستجد أنّه واقعٌ مُتردِّ ما زالت تحكمُه النّظرة السّلبيّة الى المرأة. و نحنُ حينَ ننقدُ هذا العقل النصيّ الذي أنتج تلك الصُّورة و نُعرّي آلياته فإنّما نُساهم في تحرير المرأة من واقعها هذا بطريقةٍ ما” . و بالتّالي فإنّ مَخاض الحداثة طويل وعسير لأنها ليست فعلا تلقائيا وسهلا بل هي مخاض صراعٍ وجدلٍ وأخذٍ وردٍّ بين مكوّنات المُجتمعات العربيّة و الاسلاميّة . وهذا الصّراع يتطلّب مجمُوعة شروط حتى يُؤدي إلى نتائج محدّدة، أولها ضرورة تبلور وعي ذاتي نسائي مُنبثق منهنّ أنفسهنّ لانّهنّ المعنيات والمُعانيات للاحتقار والدونيّة في صُلب هذه المجتمعات الدّينيّة .و لقد أصبحت مسألة تحرّر المرأة اليوم رهاناً أساسيا في تطور المُجتمع، في عصر العوْلمة أي في عالم هو حلبة تباري بين الأمم من أجل التحديث وتحقيق التقدّم. والمسألة النّسائيّة تقع كميًّا وكيفيًا في صُلب التّحديث. و من خلال مسألة التحدّي والتّباري الحضاري النّسائي، تُصبحُ ضرُورة تاريخيّة لإمكان نجاح المُجتمع في استدراك التأخّر التّاريخي العميق والطّويل. إذا كان هذا المُجتمع يُريد أن يتطوّر، ويُواكب عصْره، وينفُض عنه غُبار التّاريخ.

و انطلاقا من إشكاليّة الهويّة و الحداثة المُرتبطة بصُورة المرأة بين الماضي و الحاضر ، اخترت نموذجا من التجارب الفنيّة الايرانيّة النسائيّة المُعاصرة وهي الفوتُوغرافيّة “شادي غادريان تسمّى بفنانة “القاجار”، لأنها تتميّز في أعمالها بملامح تعُود لعصر “القاجار” الذي امتدّ في إيران منذ نهاية القرن الثامن عشر حتي بداية القرن العشرين، إلا أنها تشتغل على توليفة معقّدة ما بين صُورة جسد المرأة من جهة والخلفيّة ، وما بين الثياب التقليديّة والأشياء الموظّفة ضمن الصُّورة ، مع احتفاء استثنائي بجسد المرأة التي تلبس “الشّادور” الإيراني، لنقد التّقاليد التي تبدو الحداثة الغربيّة عاجزة تجاهها.فتبتكر شادي غادريان بورتريهات قريبة للسّريالية للأنوثة الإيرانيّة في سلسلة أعمالها “مثل كل يوم ” من خلال التقاط صور فوتوغرافيّة لنساء “محجّبات”. حيث نراها تستعمل مختلف الأجهزة والمعدّات المنزليّة التي تحجب وجه المرأة التي أصبحت ضحيّة لتقاليد وقيم بالية لم تعد تتناسب مع رُوح العصْر. فنراها تُغطي وجههنّ بالكامل بقفاز أصفر مطّاطي ،درّاجة ناريّة، مكواة، مكنسة وهكذا دواليك بدلا من الوجوه النّسائيّة المكشوفة. وهنا تبلغ المُباشرة والسّطحية والتبسيط أقصى حدُودها ضمن انتقادات حادّة و كشفٍ للمستُور لوضع المرأة الايرانيّة في ظلّ النّظام الثّيُوقراطي المستبدّ . و تُمثل هذه الادوات اليوميّة من جانب اخر جزءًا من العصر الرّاهن و كوسيلة مُقاومة ضدّ السُّلطة الحاكمة.

فكما يشير الى ذلك ألان تورين في كتاب ما بعد الحداثة ،” أن التّحديث قد يُؤكّد ان التقدّم العقلاني و التقنية لم تكن له نتائج و خيمة فقط بالنسبة لتصفية المعتقدات و الامتيازات الموروثة من الماضي ، بل إنه يخلق ايضا مضامين ثقافيّة جديدة” . و نحن نعلم جيدا ان مسألة التحديث في تاريخها قد مرّت بالعديد من التحوّلات التي ساهمت في تكامل العقل على نحو أرستقراطي في القرن الثامن عشر، برجوازي في القرن التاسع عشر، شعبي في القرن العشرين، و ذلك نتيجة تطوّر نسق الحياة . لكن في إيران لم تتخلّص بعد المرأة الايرانيّة من حبائل الدّين و العقائد المُقدسة ، بل ظلت تُرافقها في صورتها على مرّ العُصُور. فنلاحظ تفكك في بناء نمط من مجتمع نسائي ، و هذا التفكك هو الذي يسْمُ و يحدّدُ فكرة ما بعد الحداثة. لان الحداثة في حدّ ذاتها قد ربطت بين التقدّم و الثّقافة ، معارضة ثقافات و مجتمعات تقليدية بثقافات و مجتمعات حديثة ، مفسرة كل واقعة اجتماعيّة أو ثقافيّة بمكانتها على المحور تقليد-حداثة ، فإن ما بعد الحداثة تفصل ما كان مرتبطا.

و انشغلت هذه الفنّانة تماما بالدّور التّخريبي الذي يلعبه النّظام الحاكم في إيران و على المرأة تحديدا ، فهو بمثابة بيان عن التخلّف التّاريخي والانحطاط للأطراف السياسيّة، و هو ما دفع الى الثورة والدّفاع عن تحرّر مجرّد للمرأة. وسرعان ما اكتشفت الفنانة أن وضع المرأة الايرانيّة مشدود الى السّلف التراثي وأنها مربُوطة في عجلة المقدّس. وكان الأمر يقتضي البحث لسنين عديدة مضت و لزالت في حقل مسيّج بالألغام كما صرّحت بذلك في سلسلة أعمالها “قاجار” (1998) ويقتني المُواجهة و الاعداد المنهجي الذي يفرض الثقافة المُعاصرة في ما بعد الحداثة كأسلوب في الفكر يبحث عن الحقيقة ، العقل، الهويّة و الموضوعيّة ، و التقدّم و الإنعتاق من العبوديّة و من الاطر الاحاديّة . و تُقرّ غادريان بعدم ثبات واقع المرأة و لا يُختصر في فترة زمنيّة معيّنة ، بعيدا عن الحتميّة و القطيعة مع الماضي و الحاضر. و هذه الرُّؤية تنبع من ذلك التحوّل التاريخي الذي شهده الغرب صوب شكل جديد من الرأسماليّة ، و تجاه عالم التكنولوجيا و النزعة الاستهلاكيّة و صناعة الثّقافة.

و تُخاطب هذه الفنّانة المجتمعات التقليديّة، المحكُومة بنسق مُتماثل من القيم شبه الثّابتة والتي تستند في تصوّراتها عن نفسها وعن غيرها إلى مرجعيّات عقائديّة أو عرقيّة ضيّقة، والتي تتحكم بها روابط عشائريّة أو مذهبيّة، والتي لم تُفلح في صوغ تصوّرات كليّة عن حاضرها، فلجأت إلى الماضي في نوع من الانكفاء الذي تفسره باعتباره تمسّكا بالأصالة، وهي المجتمعات الأبويّة التي يتصاعد فيها دور الأب الرّمزي من الأسرة، وينتهي بالأمّة ، والتي لم تتحقق فيها الشّراكة التعاقديّة في الحقوق والواجبات. والتي تعتصم بهوية ثقافية ثابتة، وتخشى التغيير في بنيتها الاجتماعية، وتعتبره مهددا لقيمها الخاصة. وتفسر كل تحديث باعتباره تهديدا. وتعيش باستمرار تحت طائلة التأثيم، فهي مضروبة في صميمها بفكرة الإثم الحاضرة في أقوالها و أفعالها، فكل فعل، لكي يكتسب شرعيته ينبغي عليه أن يتطابق مع تقليد ما.

و تناولت الفنّانة مسالة الحداثة من منظُور سُوسيُولوجي و سياسي و ديني ، من خلال صور فوتوغرافيّة فنّية نقديّة ساخرة تُذكرنا بالثقافة “البطريركيّة ” التي تعتقد بأن المرأة لا تعامل على قدم المساواة مع الرجل، لا لأي سبب سوى كونها امرأة في المجتمع الذي ينظم شؤونه ويحدد أولوياته حسب رؤية الرجل و اهتماماته، وفي ظل هذا النموذج الأبوي تصبح المرأة هي كل ما لا يميز الرجل، أو كل ما لا يرضاه الرجل لنفسه فالرجل يتسم بالقوة و المرأة بالضّعف، الرجل بالعقلانيّة والمرأة بالعاطفيّة، الرجل بالفعل و المراة بالّسلبيّة، من هنا يمكن القول إنّ النسويّة هي حركة تعمل على تغيير هذه الأوضاع لتحقيق تلك المساواة الغائبة. ونيلها بعضا من الحقوق العامة التي يتمتع بها الرّجل، لذلك دأبت على تأكيد المُساواة بين الجنسين و تهميش الفوارق النّوعيّة.

فمهما سيطرت الايديولوجيّات الدّينيّة على الفكر المُعاصر ، فإنها ستواجه عراقيل الفكر المابعد الحداثي الذي يفرضه الواقع الإيراني خاصّة و رغبة الحركة النسائيّة في تحويل المفهوم التقليدي للمرأة الى نموذج متطور و مواكب للتغيّرات ، و ذلك سعيا منها الى خلق التّاريخ و تغييره، فالذات الانثويّة مرهُونة على وجه الدّوام بأفكار الخلق و العقل و التّفاعل مع الواقع و محاولة الدُّخول في العالم الحديث و نقصد بذلك كما تُشير الكاتبة “فاطمة المرنيسي” التي تتوزّع رُؤيتها بين بحث استقصائي منهجي محكم خاصّ بصُورة المرأة في التاريخ، وفي هذا تظهر مهارة في استخلاص عناصر موضوعها، وتعبير تمثيلي ذاتي عن صورتها كأنثى في مجتمع تقليدي، ويشتبك كل من البحث والتمثيل معا بهدف تعويم صورة مختبئة في ثنايا التاريخ من جهة والواقع من جهة أخرى. و في كتابها “الخوف من الحداثة : الإسلام والديمقراطية” تكشف لنا عن حفرياتها في الجانب المغيّب من وعي الثقافة العربية، وهو المرأة بوصفها كائنا وفاعلا اجتماعيا . إنها تفتح كوّة إلى العالم الذي جرى تناسيه، وطمر في طيّات معقّدة من الاحتيال على الذات ، طيّات متكسّرة تعفنت في زواياها المرأة بسبب العتمة الدّائمة، حيث لا حضور للزّمن ،وسعي مقصُود للنسيان الذي يأخذ شكل الاختزال والاستبعاد.

و أخيراً، فإنّ مَخاض الحداثة طويل وعسير لأنها ليست فعلا تلقائيا وسهلا بل هي مخاض صراعٍ وجدلٍ وأخذٍ وردٍّ بين مكوّنات المُجتمعات العربيّة و الاسلاميّة . وهذا الصّراع يتطلّب مجمُوعة شروط حتى يُؤدي إلى نتائج محدّدة، أولها ضرورة تبلور وعي ذاتي نسائي مُنبثق منهنّ أنفسهنّ لانّهنّ المعنيات والمُعانيات للاحتقار والدونيّة في صُلب هذه المجتمعات الدّينيّة .و لقد أصبحت مسألة تحرّر المرأة اليوم رهاناً أساسيا في تطور المُجتمع، في عصر العوْلمة أي في عالم هو حلبة تباري بين الأمم من أجل التّحديث وتحقيق التقدّم. والمسألة النّسائيّة تقع كميّا وكيفيّا في صُلب التّحديث. و من خلال مسألة التحدّي والتّباري الحضاري النّسائي، تُصبحُ ضرُورة تاريخيّة لإمكان نجاح المُجتمع في استدراك التأخّر التّاريخي العميق والطّويل. إذا كان هذا المُجتمع يُريد أن يتطوّر، ويُواكب عصْره، وينفُض عنه غُبار التّاريخ.

الحوار المتمدن_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate