حداثة و ديمقراطية

الإعلام كيف نفهمه وكيف نمارسه؟

نقلتنا الثورات الفلاحية والصناعية إلى مجتمعات تكنولوجية وإعلامية بامتياز، وغدا الواقع معها صفحات مفتوحة تحاكي وتنافس عالم الأشياء، وصارت المعارف تنساب بوفرة دون حواجز أو مراقبة، وباتت الوسائل التقليدية في التثقيف كالمدرسة والبيت عناصر تكميلية ليس إلا بعد أن أزاحتها وسائل الإعلام الجديد، التي تشهد مراحل الدفقة الهائلة عبر قوالب العولمة الفاتحة، مما أشاع ثقافة من الاستهلاك اليومي الحاد للمنتوج الإعلامي عامة والمرئي منه خاصة. ويتعاطى المشاهدون في شهر رمضان تحديدًا نسبًا عالية من الاستهلاك اليومي للتلفاز، وتتسابق مؤسسات الإنتاج الدرامي لتقدم جديدها على الشاشة الصغيرة، وتشترى هذه المواد بأموال طائلة تنفق من جيوب المواطنين، وجلها يعكس حجم الانزياح الذي تتعرض له البنية الثقافية في شمال إفريقيا والشرق الأوسط.

وعند حلول لحظات الإفطار الجماعي تتشكل حالة من الهلوسة الإعلامية، يتعرض فيها المشاهد لوابل من الوصلات الإشهارية ولِكَم من “السيتكومات” والمواد الترفيهية والتشويقية التي تخاطب نوعًا محددًا من التفكير فحسب، مع ما تمثله هذه اللحظة من طقس ديني واجتماعي خاص من يوم الصائم، إذ تكون فيه العائلة الصائمة طوال النهار محلقة على مائدة الإفطار وفي لمة استثنائية تحتاج فيها إلى التواصل والحديث، بعد طول عناء مع صوم الجوارح والإمساك عن متع الطعام والشراب والشهوة. وأثناء أوقات الذروة هاته، يتعرض المشاهد لهجوم كاسح لا يبقي ولا يذر، ويقضي السالك يومه معلقًا بمواعيد صارمة بين الصلاة والسحور والإفطار مضافة إلى مواعيد البرامج والمسلسلات وغيرها، فهو يبدأ يومه وهو صائم لله وينتهي وهو صائر للتلفاز، وما بين الحالين يُرتهن المشاهِد لعدمية الشاشة البائسة بؤس اختياراتها الفنية والثقافية، وينتقل من مقام الصوم الذي يفرضه فراغ الأمعاء، إلى مقال التلفاز الذي يتميز بثراء الأنباء.

وليس خافيًا على أحد حجم التأثير الذي يمارسه الإعلام بمختلف وسائله على عقولنا ومداركنا في الحياة، لكن السؤال عن قدرتنا على الانفكاك من سلطة الخبر الإعلامي المحايث للصورة أو الصوت أو الحرف، فهل الإعلام مجرد وسيلة لإيصال الخبر أم أنه صار أداة للإقناع بالخبر، وفي كل الأحوال ماذا نريد من الإعلام أن يقوم به من وظائف دون أن يحدث ثقوبًا في لاوعينا المستدرج لعالم التجريد؟ هذه بعض من الأسئلة المقلقة التي نود في هذه المقالة أن نستدرجها إلى مقاربتنا لعلائق الإعلام بالمجتمع المعاصر، ونضعها مداخل لرصد تمثلات الأفراد للحياة والجماعة والحرية في مختلف تمظهراتها. فبنمو وعي الإنسان اتسعت حاجاته السريعة إلى المعلومة لكي يقفز إلى المستقبل دون كوابح الزمن والمكان، ولم يعد ينتظر الخبر كما ينتظر القطر من السماء، بل أصبح مولعًا باستشراف الآتي من الأيام مستخدمًا آلة الرصد إما رغبًا أو رهبًا حتى لا تفاجئه الأحداث، فكل يوم هو في شأن مع ما يدلف إليه من أخبار ومعطيات لا تنتهي عن الورود.

ومع فتوحات التكنولوجيا وانبساط أدواتها على منافذ العالم، انكمشت القرية الصغيرة وضغطت مسافاتها البعيدة بخيوط رفيعة من صنع أجهزة الإعلام والصحون المقعرة، هذه المشاهد انعكست على وظائف الجماعة في عالم اليوم التي انتزعت من أدوارها القديمة، في دمج الفرد في لحمة الجماعة وإنقاذه من أسر الأنانية المفرطة، وفي صياغة أشكال التضامن والتعايش والإحساس المشترك بين أعضائها. وإزاءها حصل أن فرض علينا الإعلام عقوبة حبسية ننفذها على شكل إقامة إجبارية أمام التلفاز لساعات طويلة دون توقف، لا نستطيع فيها الانفكاك من غواية المشاهدة دون كلل ودون إدراك لقيمة الذات في علاقتها مع المشاهَد، إذ يُحكمها بلحظة الدهشة المريعة بالحدث تحت عقد إذعان بنده الوحيد والحصري: أنظر ولا تقل.

والنتيجة إذن أننا قد سحبنا من اجتماع الأحباب إلى اجتماع الأخبار، والأدهى كوننا صرنا جمهرة غفيرة من المتفرجين الذين يتسمرون أمام الشاشة في عزلة عن العالم الحقيقي، ولو ادعينا أو توهمنا أننا على اتصال تام به، من خلال متابعة أخبار العالم من نشرات تغطي أرجاء المعمورة، لكننا في الواقع أصبحنا في انقطاع مخزٍ عن عالمنا الخاص وعن شواغلنا وجيراننا الذين نتقاسم معهم الأحياء والدروب وربما الإقامة والدار نفسها. والخطير في هذه العملية أننا نتعرض لغارات من مسح الذاكرة والتشرد في مسالك عالم الألوان، عن طريق الانسلاخ عن المحيط القريب الذي أبدله التلفاز بمحيط مفارق لحياتنا، ولا يلبي حاجاتنا اليومية والحقيقية، فننسى بذلك أننا موجودون في الأرض بزعم وجودنا مباشرة على الأثير.

وما يدهش في وفائنا للمشاهدة، هو تلك الروح الغامرة التي تدفعنا إلى شغل بعض أمتار مكعبة لأجل قضاء الوقت في رفع العقيرة صوب جهاز ملون الصور، دون ممارسة نوع من التصفية وإعمال سلطة الاختيار بين أوقات المشاهدة، ولا حتى امتلاك حق التوقف عن المشاهدة بفعل الملل من البرامج المقدَّمة، أو مقاطعة نشرات الأخبار الموغلة في نشر ثقافة الدم وتعقب أحداث المآسي والبؤس الاجتماعي في أرجاء المعمور.

لقد بات ذلك طقسًا يوميًا يلبي فيه المشاهِد حاجة إمضاء الوقت وتسريع وتيرة الحياة، دون أن يلتقط منها شيئًا يعود عليه بالنفع ويرفع من حاسة النقد لديه، فلماذا لا يرتوي المشاهد من التلفاز ما يكسبه نوعًا من الثقافة المتبصرة تجاه المعيش اليومي، وكيف لا تثير محتويات الأخبار والبرامج حوافز العقل في المشاهِد حتى ينهض لمهمة التفكير والحوار والإنجاز؟ إن الإفراط في إشباع العين بالصور سبب مباشر في دحر وظيفة السمع وفن الإصغاء، وعامل على ضمور حاسة التواصل والقدرة على التفاعل مع المحيط، وذلك لأن الصورة هي باقة من الصور والأحاسيس والكلمات والكتابات ولمسة الإخراج، وهي عناصر إذا اجتمعت تطفئ في العقل شعلة النقاش وحافزية الخيال المبدع، فتغدو معها لحظة المشاهدة حالة من السكر يخبل فيها المشاهِد بفعل فرط المعاقرة بالمشاهدة، وتغدو مواد المشاهدة كؤوسًا مترعة بالمضامين المؤذية، فتتبلد إزاءها الحواس النقدية إلا حاسة الخمول والركون لعشق الصورة الخادعة.

يجب أن ننظر إلى الحياة بكيفية مختلفة عما تحاكيه ثقافة الصور الجاهزة عبر الأثير، ولابد من جرأة النظر إلى الأشياء بقدر من التفاؤل والإيجابية مع النقد، دون أن نغفل عن البعد الإنساني من مشاعرنا تجاه الآخرين ومحيطنا القريب، ولنتسلح بالوعي حتى نمضي إلى شموخ المعنى ونتجنب الوقوع في زلل التشييء والتبسيط المتعمد.

إن للتلفاز لسحرًا لا يقاوم مع كونه مؤذيًا للعقل، فالأضواء النابعة من الجهاز تشد العين المجردة بوميض فتاك قاتل، وترميها بحبال من الجمال المفضي إلى الأسر في إيحاءاتها المفرطة في الإعماء والإغماء، مكرسة جوًا من الجاذبية المغناطيسية والاجتذاب نحو الشاشة الصغيرة دون وعي. إن الاعتكاف أمام الشاشة شيء يضعف حواسنا تجاه الطبيعة الجميلة والأماكن المبهرة والأحياء النقية، ويقلل من ملاقاة الأصدقاء والأقارب والحديث مع الناس عن قرب، من فرط اندهاشنا باللون الأخضر المنبعث في صورة التلفاز المغشوش، ومن أفلام الخيال العلمي التي تملأ العين والعقل بالخرافة، وتدفعه نحو تبسيط عبقرية الطبيعة وجمالية العمران وبراءة اختراع الإنسان.

كيف سمحنا لأنفسنا أن نفارق دفء الكتاب والكتابة، ومتعة ممارسة الفن وجاذبية الاستغراق في التفكير والتأمل، وملاطفة العين بسحر التألق في نواحي الإبداع الطبيعي والعمراني، وتشنيف الأسماع بأعذب الأصوات الصادرة عن أحبال العصافير وقرائح المغنين والمنشدين، وكيف انزوينا عن مباهج الأنس بحلق المذاكرة مع الأصحاب والرفاق، وعن مجالس الذكر ومشاهد الركوع والسجود ونفحات الصلوات؟ هل من الطبيعي أن يتعقبنا التلفاز إلى حيث نسير وأينما حللنا وارتحلنا، فنجد التاجر المنهمك في صفقاته لا يكاد يفارق بعينيه اليقظتين ركنًا في محل تجارته، إذ وضع بعناية جهازًا يلتقط الصور من الأقمار الاصطناعية، كأنه يعقد عقود المرابحة عبر الأثير، وحتى الحواسيب الشخصية والهواتف الذكية صارت مدعمة بخدمة الالتقاط التلفزيوني المباشر بفعل ثورة التكنولوجيا وحلول عصر “الويفي” والخط الشبكي، الذي حولنا إلى كائنات تعيش على وقع كل ما هو “مباشر”، وتحولت مسيرة الإنسان إلى صور من الوميض الأثيري المشع من كوة الجهاز الملتقط للصور.

والواقع أننا صرنا عبيدًا طائعين لهذه التكنولوجيا الزاحفة إلينا جوًا وبرًا، والتي سخَّرت الإنسان ليكون أداة في تنمية الإنتاج الاقتصادي وتسريع رقم المعاملات التجارية عبر أجهزة نقالة ويدوية، وتحول هذا الكائن البشري الذي كان غاية سامية للعمل الاقتصادي والتجاري، إلى وسيلة طيعة تهان داخل منظومته الربحية الفتاكة. لقد غدا حالنا مع التلفاز مقلقًا جراء اكتفائنا بمعانقة الحياة من خلال الشاشة والنظر إلى الوجود عبر هذه الكوة الصغيرة، وبتنا غير آبهين بقيمة الوجود الحقيقي الماثل أمامنا، وغير واعين بجسامة انخداعنا بسحر العالم الافتراضي التلفزي الذي دفع بحواسنا إلى الخفوت واللامبالاة، حتى افتقدنا قيمة اللمس المادي للحياة وأشياءها واستعضنا عنه بعالم التجريد وراء زجاج الشاشة ذات الأبعاد الثلاثية.

إن الوقت الذي نقضيه في المشاهدة هو جزء من حياتنا الخاصة والنفيسة، التي نرهنها للكسل والخضوع لإملاءات الشاشة ومصيدة شبكة برامجها، والحال أن هذا الجهاز عادة ما يسلبنا أوقاتًا ثمينة من حياتنا لأنه يأخذ منا قسطًا غير يسير منها، مما يحجمنا عن ممارسة بقية هواياتنا التي نتنازل عنها تباعًا وطواعية، حتى وجبة الأكل صارت ناقصة بدون حضور رسمي للشاشة وكأنها ملح الطعام، وننتقل بالآلة المتحكمة عن بعد من قناة إلى أخرى ومن بلد إلى آخر، ونسبح في عالم تجريدي، حتى ضمر عندنا الاستمتاع بأصناف الأطباق الموضوعة على طاولة الأكل، وفقدنا شهية الطعام والقوت من فرط انشغالها بشهوة الصورة والصوت.

يجب أن نعود إلى حميم علاقاتنا الإنسانية حتى لا نفقد وهجها الدافئ وعمقها الأخوي، لأن الغفلة ساقتنا إلى القطيعة مع الآخرين من بني جنسنا، بحكم ارتباط الذهنية تجاههم فيشكل علاقات تضاد وتنافر يغدو فيها الإنسان معيقًا لانطلاق أخيه ومضيعًا لوقته الثمين، فينزوي إلى ركن ركين منطويًا على نفسه ومتوسلاً الصداقة الموهومة في جهاز التلفاز الصغير، الذي يعوض فيه مختلف العلاقات التي لا ينسجها في الواقع، بحكم ولعه بعالم التجريد المبثوث في عالم الشاشة. وأي حماقة هذه أن يعامِل المرء هذه الأجهزة بلطف وإكرام منقطع النظير وكأنها كائنات تفيض بالحياة والمشاعر والحب، فيما يولي وجهه عن أمثاله في الشارع والبيت والعمل، قاطعًا الرحم مع الأقارب والصحب والجيران، وهم أحوج إلى هذه الملاطفة والتقرب الوجداني.

غير أن الجهاز الذي نحبه للأسف لا يبادلنا الشعور والود الذي نملأ به محيط التلفاز المحاط بمغناطيس تسمر الإذعان، لأنه وببساطة أعمى النظر وعديم الإحساس وبليد المشاعر، وبدون حرارة تحلقنا حوله وشرارة الربط الكهربائي به فهو ليس إلا شيئًا أبكم ومحنط، والأحرى بنا أن ننتبه إلى قوة انشدادنا صوبه ورفع عقيرتنا إليه بانشداد بالغ، مخافة الانسياق وراء تيار العدمية والسلبية النابع من محتوياته، ومخافة السقوط في قعر الطفولة المولعة بالفرجة والتشويق ونحن في قمة وعينا بإكراهات الحياة وواقعية مشاهدها.

للعربي إدناصر.

مؤسسة مؤمنون بلاحدود_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate