ثقافة

فخ خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي.

قبل عقد من الزّمان كان من المألوف الحديث عن منصّة التّواصل الاجتماعيّ فيسبوك كما لو كانت دولة. قاسَ المعلّقون قاعدة مستخدميها النّشطين بالمقارنة مع القواعد السّكانيّة العملاقة والمتزايدة في الصّين والهند لتوصيل إحساسٍ بنطاق المنصّة، وحجمها، وقوّتها. في ذلك الوقت، كان لدى فيسبوك حوالي 850 مليون مستخدم، ويقترب عدد المستخدمين من 3 مليارات شخص الآن. على سبيل المقارنة، تُعدّ الصّين موطناً لحوالي 1.4 مليار شخص اليوم، وكذلك الهند.

مع هذه الانفجارات «السّكّانيّة» الواسعة والمفاجئة على وسائل التّواصل الاجتماعيّ، انتابنا القلق بشأن ما تفعله هذه المنصّات بكلّ البيانات التي تجمعها. على الرّغم من هذه المخاوف الخطيرة، نُظر إلى وسائل التّواصل الاجتماعيّ، أيضاً، على أنّها عامل إيجابيّ للتّغيير. فالدّور الذي لعبته منصّة فيسبوك ومنصّة تويتر وغيرهما في الانتفاضات العربيّة عام 2011 في جمع الشباب معاً يُستشهد به بانتظام كمثال على الحافز القويّ الذي يمكن أن تكوّنه هذه المنصّات.

في تلك الأيّام، تضمّنت صفحة تسجيل الدّخول على فيسبوك الشّعار الإعلانيّ «منصّة مجانيّة وستظلّ دائماً مجانيّة».

كانت العبارة أساسيّة لشرح شعبيّة المنصّة. المقايضة، كما هو الحال، تكمن في مكان ما بين القدرة على استخدام تطبيق مبهر من دون تكلفة وتسليم بعض البيانات الشّخصيّة إلى شركات تكنولوجيّة عملاقة.

5 مليارات مستخدم

عدد المستخدمين النّشطين في جميع منصّات التّواصل الاجتماعيّ في عام 2022 يقترب من 5 مليارات شخص، أي ما يعادل الآن جميع سكّان آسيا، وقد حوّلت السّنوات الفاصلة ما يسمّى بـ«الميدان الرقميّ» إلى فضاء مليء بالتّحديات. ويبدو أنّ المقايضة أكثر جوراً من أيّ وقت مضى.

يرجع جزء من ذلك إلى أنّ الجمع بين وسائل التّواصل الاجتماعيّ والهواتف الذّكيّة جعلنا كائنات كتومة، ومدمنة، وسرّيّة. ومن الممكن قضاء ساعات على هذه المنصّات حيث تقدّم لك الخوارزميّات محتوى لا ينضب تمّ توليده آليّاً.

استطاعت خوارزميّة التّرشيحات لدى عملاق الإنترنت أمازون التّفوّق على أداء المحرّرين البشريّين منذ فترة طويلة، لأنّها استخدمت نظام تصفية يعتمد على الرّوابط بين المنتجات بدلاً من العملاء. علمت الخوارزميّة أنّه إذا كنتَ تبحث عن نسخة، على سبيل المثال، من رواية «غاتسبي العظيم» لفرنسيس سكوت فيتزجيرالد، فهناك فرصة جيّدة لأن تكون مهتمّاً، أيضاً، بأعمال إرنست همنغواي. لم يكن من الضّروريّ أن تفهم الخوارزميّة سبب اهتمام العملاء بكلا المؤلّفين، بل كان عليها فقط أن تعرف أن

بالمثل، لا يتعيّن على وسائل التّواصل الاجتماعيّ أن تستفسر عن سبب بحثي واهتمامي بمحتوى حول موضوع معيّن، بل عليها فقط تغذية هذه الحاجة بغضّ النّظر عمّا إذا كان ذلك مفيداً لي أم لا.

“غرفة صدى”

اعتاد بعض الأشخاص على الاعتقاد بأنّ وسائل التّواصل الاجتماعيّ ستسمح لنا جميعاً بالتّعرّض لمجموعة متنوّعة من الآراء، لكن أصبح من السّهل جدّاً أن تقع في «غرفة صدى»، وتَستهلك، وتُعجب، وتُعلّق على منشورات تعزّز تحيّزاتك، وتختفي خلف أبواب مصيدة خَطِرة من دون مَخرج سهل. ويبدو أنّ الفصل بين شخصيّاتنا الرّقميّة وشخصيّتنا الحقيقيّة يتّسع كلّ عام.

تحتاج الخوارزميّات إلى إعادة البناء ويحتاج التّعلّم الآليّ إلى فهم سبب وطبيعة اهتمام مستخدميه ويجب أن يكون وراء صياغة تشريعات الحماية غاية وليس حالة رمزيّة.

بينما تستمرّ قواعد المستخدمين في النّمو عبر منصّات وسائل التّواصل الاجتماعيّ. ويستحوذ تيك توك على مساحات شاسعة من «اقتصاد الانتباه» الآن. تحتاج الإجراءات الدّاخليّة للتّكنولوجيا إلى إعادة التّفكير وإعادة البناء.

فرانسيس هوغن، وهي مديرة منتجات سابقة لدى فيسبوك فضحت مخالفات قامت بها المنصّة، قالت قبل عام أمام جلسة استماع في الكونغرس الأمريكيّ إنّ خوارزميّات المنصّة تروّج للمنشورات ذات المستويات العالية من المشاركة، وغالباً ما تدفع المحتوى الضّارّ نحو المستخدمين. نفت فيسبوك بشدّة الاتّهام.

و قال مؤسّس الشّركة، مارك زوكربيرغ، إنّ مزاعم تفضيل التّربّح على عافية المجتمع «غير صحيحة». منذ ذلك الحين، انضمّت هوغن إلى المجموعة الجديدة «المجلس من أجل وسائل تواصل اجتماعيّ مسؤولة» التي أُطلِقَت هذا الأسبوع وتضغط من أجل تغيير عاجل.

وفاة المراهقة مولي راسل

قضى تحقيق في المملكة المتّحدة بأنّ وفاة المراهقة مولي راسل في تشرين الثّاني (نوفمبر) 2017 حدثت بعد التّعرّض للآثار السّلبيّة لمحتوى عبر الإنترنت. استمع التّحقيق إلى كيف أنّ مولي، التي كانت تبلغ من العمر 14 عاماً عندما توفيت، حفظت، أو شاركت، أو أبدت إعجابها بـ 16,300 منشور على إنستغرام في فترة السّتّة أشهر التي سبقت وفاتها. ومن بين هذه المنشورات، كان هناك 2,100 منشور لهم صلة بالاكتئاب، أو إيذاء النّفس، أو الانتحار. ومن المرجّح أن توفّر قضيّتها نقطة انطلاق للعمل في المملكة المتّحدة.

أي تشريع مقترح سيحتاج إلى حساب وتطبيق دقيقين. فإذا كان صارماً للغاية سيصبح غير عمليّ، وإذا كان متساهلاً للغاية سيصبح غير فعّال.

إذاً، كيف تحكم بشكل واقعيّ منطقة رقميّة يسكنها ما يقرب من خمسة مليارات شخص الآن؟ إلى جانب الإجراءات الواسعة التي تفضّل الأيدي الرّاسخة وحسن النّية، تتطلّب وصفة التّغيير ما يلي:

تحتاج المنصّات نفسها إلى زيادة تطوير إجراءات التّدقيق والرّقابة الدّاخليّة. قد يبدو الانضباط الذّاتيّ وكأنّه تناقض فظيع، ولكنه قد يكون، أيضاً، أفضل طريق للمضي قُدماً طالما أنّه يدعم الوقاية والحلول.

استطاعت خوارزميّة التّرشيحات لدى عملاق الإنترنت أمازون التّفوّق على أداء المحرّرين البشريّين منذ فترة طويلة، لأنّها استخدمت نظام تصفية يعتمد على الرّوابط بين المنتجات بدلاً من العملاء.

يجب أن تكون المنصّات أكثر شفافية وخضوعاً للمُساءلة مع المستخدمين بشأن سبب تقديم محتوى ما، وأن تكون سريعة في التّعامل مع المنشورات غير الملائمة أو الضارّة.

تحتاج الخوارزميّات إلى إعادة البناء ويحتاج التّعلّم الآليّ إلى فهم سبب وطبيعة اهتمام مستخدميه.

وأخيراً، يجب أن يكون وراء صياغة تشريعات الحماية غاية وليس حالة رمزيّة.

لنيك مارش ترجمة محمد الدخاخني

حفريات_موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate