حداثة و ديمقراطية

قراءة في كتاب التحالف الغريب بين الشعبوية والمسيحية.

تتميز الحركات الشعبوية في أوروبا وأمريكا بالتركيز على الهوية، ورفض المهاجرين، وتمجيد الجذور المسيحية لبلدانهم، وتلتقي مع جانب كبير من المسيحيين في انتقاد النخب، ورفض زواج المثليين، والدعوة إلى تأصيل قيم ديانتهم لتقليص حضور الديانة الإسلامية. غير أن الطرفين يختلفان في مقاربة المعتقد، فالشعبويّون يصرّون على المحافظة على اللائكية، التي تقضي بفصل الدين عن الدولة، وينظرون إلى المسيحية كثقافة متأصلة في المجتمع، بصرف النظر عن الشعائر، بينما يرى المسيحيون أن ديانتهم ينبغي أن تظل مقوّمًا من المقومات الأساسية للحضارة الغربية، ولا يتمّ لها ذلك إلا متى تحالفت مع من يعيد إليها بريقها.

في كتاب “علمنة المسيحية الأوروبية” لاحظ أوليفيي روا أن تلك العلمنة تجلت من خلال تثقيف المراجع المسيحية، أي أن رموزها تخلت عن معناها الديني لتصبح علامات تراثية يمكن استثمارها سياسيا؛ وهو ما أكّده باتريك بويسون، أحد منظري اليمين المتطرف حين كتب: “نحن لا نعيد اكتشاف ذواتنا بوصفنا مسيحيين دينيّا بل تاريخيّا، فالأمر لم يعد يتعلق بالمعتقد وإنما بإرادة المحافظة على عنصر جوهري في الهوية الفرنسية، ساهمت الكاثوليكية في تشكيله بعمق… فالكنائس، التي هجرها روادها كدور عبادة، أصبحت بالنسبة إلينا رموز هويّة.” أي أن العلمنة تجعل التحويل الشعبوي للعنصر الديني ممكنا، وهو ما فعله ماتيو سالفيني في إيطاليا، وروبير مينار في فرنسا، وماركوس زودر في ألمانيا.

غير أن براديغم العلمنة له حدوده، فقد فسر المحللون تحالف بعض المسيحيين، سواء من الكاثوليك أم من البروتستانت، مع قادة شعبويين، بأن أولئك القادة لا يلبون مطلبا هوييا فقط، بل دينيا بالأساس. وحسبنا أن نستكشف دينامية الحركات الشعبوية اليمينية لفهم انضمام الناخبين المسيحيين إلى زعماء تلك الحركات: على المستوى السياسي، الشعور بأن الأحزاب السياسية اليمينية التقليدية تخلت عنهم، وصارت لا تبالي بالمسائل البيوإيثيقية، عاجزة عن كبح الانفتاح على الممكنات، تقنيتا وعلميا وطبيا. على المستوى الاجتماعي، الخوف من أن تجعل مطالبات المثليين سويةَ النموذج العائلي مسألة نسبيةً، ذلك النموذج التقليدي الذي يطمح المسيحيون إلى جعله رافعة ضغط وتأثير. على المستوى الديني، الصراع مع الإسلام كدين “دخيل”، “بارز”، و”غاز.”

والمثال الأمريكي يسمح بقياس ارتهان الأصوات الشعبوية للمسيحيين بإحساسهم بتراجع موقعهم تراجعا ناجما عن ترابط عناصر تلك الدينامية. وقد رصدت عالمة الاجتماع أرلي راسل هوشيلد استياء فئات الطبقة المتوسطة الأمريكية التي تحس بالتراجع اجتماعيا، لأنها تعتبر أن القيم التي يتأسس عليها اقتصادهم الأخلاقي، كالجدارة والعمل واليقين، لا تحظى باعتراف النخب السياسية إلا في القليل النادر.  هذا الشعور تغذيه المقارنة بين أفراد تلك الطبقة الوسطى وبين الطبقات الشعبية الجديدة الناشئة عن الهجرة، والأقليات الثقافية التي تستفيد من التمييز الإيجابي، فقد رأوا فيها علامة على تراجعهم، كما رأوا في بروز شخصيات تمثل “التعدد الثقافي” تقليصا لحظوظهم هم في تمثيل أمريكا. بل إنهم يشعرون حسب هوشيلد بأنهم فقدوا ميزة تمثيلهم لنموذج ” طريقة الحياة الأمريكية”. أما المسيحيون فهم يعتبرون أن تهميش الأخلاقيات المسيحية مردّه إلى تضافر الليبرالية المجتمعية للنخب، والتنوع الثقافي الناجم عن الهجرة، ويرون في المثليين والمسلمين أعداء يهددون رسوخ الثقافة الأمريكية المسيحية الحق.

بين الشعبويين المتمسكين بالقومية، والمسيحيين الذين يلاحظون تراجع موقعهم في مجتمع ليبرالي وتنامي معتقد غريب يزاحمهم، نشأ تحالفٌ تشكّل أساسا حول وجود أعداء مشتركين هم النخبة والأقليات الجنسية والمهاجرون، وخاصة المسلمين. ومن ثَمّ جاء حرص الشعبويين القوميين على إحياء قدرة المسيحيين على تقمص المعيار الاجتماعي المهيمن، لمواجهة التعددية الثقافية التي تغيّر في رأي الطرفين طبيعة المجتمع. فإذا كانت الشعبوية تسمح بدرء الخوف من تخفيض مرتبة المسيحيين داخل نسيج المجتمع، فإن المسيحية تسمح بدرء الخوف من التعددية الثقافية، التي تسوي بين أهل البلاد والوافدين إليها. لقد نصّبت الشعبوية نفسها للدفاع عن المرجعية الديمقراطية ضدّ الحماية الليبرالية الممنوحة لثقافات الأقليات، فهي تضع حق الأغلبية في فرض مفهومها للخير بموجب القانون مقدّما على المنطق الليبرالي المتمثل في جعل مفاهيم الخير متساوية أمام القانون. ذلك أن مفهوم الدولة المحايدة، التي ليس من وظائفها غير التحكيم في النزاعات الناتجة عن ممارسة الحرية الفردية، يجد نفسه غير مؤهل بسبب التماهي الشعبوي بين الدولة وبين شعب ينفرد بتراثه الثقافي والديني وربما الإثني. وبذلك، أصبحت “الجذور المسيحية” محور الخطاب الشعبوي، سواء في فرنسا أم في إيطاليا وبولندا والمجر وبافاريا… وفي ظرف انحسرت فيه المسيحية، ليس التقليل من أهمية التعبير عنها عودةً إلى الدين بوصفه عالما من المعتقدات تنظمه سلطة مؤسسية، بل هو أثر لبثّ الدين كمصدر للمعنى متاح للجميع، لبناء الذات أو التعرف على العلاقات المتميزة مع الآخرين. وبوصف المسيحية رحما ثقافية، تمّ استعمالها كحدّ سياسي، يسمح بوضع تمثُّل الشعب في تنافس مع مفهوم المواطنة، بغرض بناء شعب “حقيقيّ” يمكن التعرف عليه من خلال ثقافته. وبذلك يتمّ إقصاء المسلمين من الجسد المدني، ورفض طلباتهم بدعوى أنها منحرفة.

تلك الاستعاضة عن الجسد الثقافي للشعب بالإجراءات القضائية والقانونية العقلانية، الضامنة للحقوق الفردية، تعيد الارتباط بالبناء الرمزي للمُلكية المقدسة. وهو ما أشار إليه عالم الاجتماع أندريو أراتو، فالشعبوية في اعتقاده تعيد بطريقة حديثة رمزية السلطة المقدسة التي كانت دينامية الليبرالية السياسية قد أفرغتها من محتواها. وخطابها يذكر بأن أصحاب السلطة لا يكونون شرعيين إلا من خلال تقمص هوية الشعب، أي أن الشرط في رأيهم أن لا يقطعوا جذوره التاريخية. وهذا عامل من عوامل شكهم في النخبة، بوصفها “حزب الغريب”، سواء بسبب سياسة استقبال المهاجرين، أو بسبب التوقيع على اتفاقيات التبادل الحرّ. بيد أن هذا التفكير الحمائيّ يحمل في طياته نزعة دينية، فالأحزاب الشعبوية تطالب بتوسيع العلمانية لتحييد الفضاء العام وجعل الشعائر الإسلامية بعيدة عن الأنظار، ولكنها في الوقت ذاته تريد فرض استثناءات للأشكال المرئية للديانة المسيحية بدعوى الحفاظ على طابعها التراثي. وقد دفعت ببعض النواب في فرنسا مثلا إلى المطالبة بإدراج “جذورها المسيحية” في الدستور.

يقول الأسترالي بنيامين موفّيت إن الشعوبية، قبل كل شيء، أسلوب يقوم أساسا على إعادة تنظيم عناصر من الثقافة السياسية التي سبقته، ويستعمل نفس الطرق التي استعملتها الكنيسة لتنصير الشعوب الوثنية عند سقوط الإمبراطورية الرومانية. فالزعيم في الأحزاب الشعبوية هو وريث غير مباشر للملوك الذين استخلفهم الرّبّ في الأرض، يتقمص استمرار النزعة الدينية لدى الشعوب، ويستقطب انتظارها، فيبدو لها المنقذ الذي سيطرد الشّرّ ويضع حدّا للانحلال في شتى أوجهه، ولا بدّ في هذه الحالة من الاستقواء برجال الدين، كما فعل الإنجيليون الذي دعوا في خطبهم إلى انتخاب ترامب في أمريكا، أو بولسونارو في البرازيل.

وبعد أن كانت الثقافة المسيحية عائقا أمام تحرر الشعب مدنيًّا، صارت مصدر تأكيد لهوية الأغلبية في مواجهة ادعاءات الأقليات، وخاصة المسلمين، من أجل الاعتراف باختلافهم كحقّ من الحقوق التي يضمنها الدستور، فقد جعلت حدًّا فاصلا يميز الفرنسيين “الحقيقيين” عن البقية، ويضمن لهم شرعية السيادة. ذلك أن الجذور المسيحية لها نفس الوظيفة السياسية لصورة “الغاليين” في الثقافة الجمهورية للقرن التاسع عشر. في ذلك القرن، كانت صناعة مشترك قومي، كوحدة ثقافية، شرطا لدمقرطة المجتمعات الأوروبية، وفي القرن الواحد والعشرين، صارت الدينامية الشعبوية هي التي تعمل على إحياء ذلك المسعى، أي أن الاستبدال المسيحي للشعب يبدو شرطًا لاستعادة قدرته السياسية القومية، لأن الشعبوية تبدو كردّ فعل على ضعف القاعدة المدنية الضرورية لدوام الدولة القومية.

في النقد الشعبوي لليبرالية السياسية ما يذكّر بنقد الأمريكي مايكل سندل لجمهورية جون رولز الإجرائية، فسلطة الدولة لم يعد يعترف بها كتعبير عن مجموعة بشرية تاريخية يلتزم إزاءها المواطنون بواجبات، بل صار ينظر إليها كمجموعات متجاورة بعضها جنب بعض أو نخبة مجتثة من جذورها، يعاني فيها المواطنون من المتاعب الإدارية والمضايقات الرمزية. وكما هو الشأن في القرنين التاسع عشر والعشرين، كان لتمجيد الشعب، بوصفه رحم المدينة، طابع عامٌّ وعنيف. ثم تغير الأعداء، فبعد أن كانت الإمبريالية جرمانية أو سوفييتييه، نابت عنها اليوم السوق الاقتصادية أو الاتحاد الأوروبي. فالرّأسمالية، بتضخيمها الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وبإسهامها في خلط شعوب متباينة ثقافيا صار ينظر إليها كتهديد للنظام القومي. وبعد أن كان العدو الداخليّ كاثوليكيّا أو بروتستانتيًّا أو يهوديّا أو ماسونيّا، صار اليوم ينحصر في المهاجرين ولا سيما المسلمين منهم. ورغم تغيّر المنطلقات، فإن بنية شعبوية اليمين هي استمرار لبنية القومية، وما انضمام جانب من المسيحيين إلى الحركات الشعبوية إلا امتداد لتوافقهم السابق مع أحزاب حاكمة، حين كان الخطر الداخلي والخارجي يتمثل في الشيوعية.

هذا النزوع، سواء في أمريكا أو في أوروبا، في تزايد خصوصا مع انحسار المعتقد الديني أمام اللادينيين. والخطاب الشعبوي، بفصله العنصر الثقافي عن العنصر الشعائري يسمح للمسيحيين بالمحافظة على الميزات التي تحظى بها ديانة أغلبية، والحال أن عدد معتنقيها في تناقص، وبذلك تسعى المسيحية للمحافظة على موقعها الرمزي أمام المعطيات الإحصائية. بيد أن التحالف مع الأحزاب الشعبوية هو مصدر نزاع داخل الكنائس. فالبابا فرنسيسكو الأول كان قاسيا في نقد دونالد ترامب، ما ولّد ردود أفعال حادة لدى الشعبويين. أما في أوروبا، فإن المسيحيين منقسمون بشأن مثل تلك التحالفات، لأنها من جهة تحول ديانتهم إلى ثقافة ولو أنها تحفظ لها موقعها الرمزي المتقدم، ولكنّها تمنعهم من جهة أخرى من إعلان الحداد على ديانة لم تعد تحقق لهم غير موقع مطمئن في النظام الاجتماعي.    

لا جدال أن من آثار العولمة انكفاء شعوب كثيرة لم تجد ما كانت ترجوه منها من مكاسب، بل إن الآمال انقلبت في الغالب إلى خيبات، ومن ثمّ جاء استنفار المسيحية كثقافة ليتيح تجديدَ القومية بإعطائها أفقا حضاريا، وما يحصل في أوروبا وأمريكا ليس سوى محاولة لتجديد للنعرات القومية برفع راية الحضارة المسيحية، في وجه الآخر المختلف، أي الإسلام، وهو ما لخّصه صامويل هنتغتون في قوله: “لا نعرف من نحن إلا إذا عرفنا الذين ليسوا نحن، وغالبا فقط حين نعرف ضد من نحن.”

لأبو بكر العيادي.

الجديد-موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate