حداثة و ديمقراطية

الحاجة لمراكز التفكير.

تبدو اليوم الحاجة أكثر من ماسة لتعزيز مفهوم مراكز التفكير والمعروفة عالمياً بتسمية الـ “Think Tank” البحثية، خاصة في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة العربية وانعكاسات الربيع العربي على تفاصيل حياة ناسها.

ولعل من الأسباب الأساسية لتأسيس المنبر الدولي للحوار الإسلامي عام 19994، تتمثل في نشر ثقافة ومفاهيم التنوير والتعددية بين المسلمين، ضمن مراكز التفكير التي تؤثر تباعاً على أصحاب القرار وصانعي السياسات في المجالات الاستراتيجية والاجتماعية والاقتصادية، على جانب تعزيز عمليات التحول الديمقراطية في سياق مسيرة التغيير.

ومن مهام تلك المراكز تطوير خطاب قائم على حقائق وأرقام واقعية وليس فقط على وجهات نظر أيديولوجية وفلسفية، بل الأهم معرفة البيئة التي تعمل فيها وكيفية إنتاج أوراق عمل تكون نابعة من احتياجات حقيقية وإيصالها إلى أهدافها الأساسية بغية ترسيخ تلك الحلول في الممارسات العملية.

وتوجد الكثير من المشاكل العملية التي تواجه عمل منظمات الـ”ثنك تانك” أو مراكز التفكير في منطقة الشرق الأوسط، ولعل من أهمها:

  • شيوع ثقافة الاستبداد وسيطرة أنظمة ديكتاتورية ولغاية فترة زمنية قريبة، الأمر الذي ساهم بتحجيم الأفكار التي تبلورها منظمات مدنية خارج المجاميع السياسية، الأمر الذي يهمش عمل تلك المنظمات ويجعل دراساتها غير فاعلة في مجال صنع القرارات أو صياغة الخيارات.
  • محدودية عمل مراكز التفكير في ظل سيطرة الحكومات الكاملة على قضايا السياسة والدفاع، مما يجعل من المناطق المحظورة لعملها أكثر اتساعاً وبالتالي يقيد مساحة فعاليتها.
  • قلة موارد التمويل ما يصعّب حماية استقلالية مراكز التفكير من سيطرة الحكومات أو الأحزاب وأجندتها السياسية، أو خضوعها لسيطرة الجامعات الراعية لعملها، وهذا يعني أن بوصلة اتجاهها تكون تحت وصاية التيارات الفكرية السائدة في الجامعة.
  • قلة الخبرة والتدريب في تقويم سياسات من خلال خيارات مرتبطة بالكفاءات والفوائد العملية وصياغة تحليلا بحثية خالية من ملفات أيديولوجية أو فلسفية، وانعكاسات هكذا أمر على النخب السياسية والفكرية إلى جانب العامة.

وهناك اعتقاد شائع بأن مراكز التفكير هي عبارة عن مؤسسات ينحصر عملها في إنتاج أوراق ودراسات بحثية، لكن حقيقة الأمر هي أن عمل تلك المؤسسات يعتبر وحدة متكاملة منفصلة عن العمل الأكاديمي، كون أصحاب القرار قلما يقرأون بحوثاً أكاديمية ونظريات مطولة، وتقتصر القراءة عادة على أوراق مختصرة تشرح صلب المشكلة وتصنع خيارات تشخّص فيها الحلول ونتائجها وجدواها.

وفي خضم المرحلة الانتقالية للمجتمعات العربية تكون الحاجة ملحة لانتشار مراكز التفكير في محاولة لتوجيه الحكومات الجديدة نحو سياسات فاعلة أو خيارات مؤثرة في ميادين مهمة كالدستور والانتخابات وحقوق الأقليات، وترسيخ العمل المدني وتوفير الحلول الجادة لاحتياجات الشباب الذين يشكلون أكثر من نصف سكان المنطقة العربية.. وغيرها من الملفات المهمَّة التي تصبّ في بناء المهارات الجديدة وتفعيل آلياتها.

من هذا المنطلق تعتبر مراكز التفكير مفصلاً حيوياً من خلال ارتباطها الحقيقي مع حياة المجتمعات وتنمية قدراتها وترسيخ حضور منظماتها المدنية وتوسيع دائرة حواراتها لما يخدم تطورها، خاصة ما يتعلق بالمنطقة التي يعيش مخاضها الجديد بعد عقود من السبات السياسي والاجتماعي والفكري.

لنجاح كاظم.

التنويري- موقع حزب الحداثة.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate