اصلاح ديني

العقل المنبثق : مراجعة مختصرة لكتاب الفكر الاصولي و استحالة التأصيل لمحمد أركون

حمزة رستناوي

يحاول محمد أرغون في الدراسات التي يجمعها بين دفتي هذا الكتاب أن يلفت الانتباه إلى مساعي القدماء لتأصيل الأصول , و إلى فهم وظائف عملية التأصيل , و من ثم فشلهم في تأصيل أصول الدين و أصول الفقه , و هذا يقوده إلى نقد مفهوم الأصل و عملية التأصيل بحد ذاتها , أو بالأحرى الإدعاء بإمكان التأصيل لحقيقة ما دينية أم علمية أم فلسفية أم أخلاقية أم سياسية أم اجتماعية من تصرفات الأصوليين و الأصولويين القدماء و المعاصرين , فهم لا يستطيعون , أو لا يريدون أن يحترموا القاعدة المعرفية التالية التي تلزم العقل إلزاماً مطلقاً في جميع إنتاجاته الفكرية و العلمية , و هي قاعدة مرتبطة بالوضع اللغوي و المدني و الاجتماعي الذي ينشأ فيه الإنسان و يتقيد به العقل في جميع نشاطاته .
فكل متكلم يقصد التأصيل يحيل بالضرورة إلى مستويات مترابطة من التفكير و التعبير ، و الإيجاد الإلزامي للمعنى ، يمكن أجمالها في ثلاث مستويات 
أولاً: مستوى ما يمكن التفكير فيه للمتكلم .,و هو متعلق بإمكانيات اللغة وإمكانيات الشخص في استخدام اللغة.
ثانياً : مستوى ما لا يمكن التفكير فيه , و هذا يعود إلى محدودية العقل ذاته أو انغلاقه في طور معين من أطوار المعرفة “فلا يمكن الحديث عن فكرة المواطنة في القرون الوسطى مثلاً”
ثالثاًًَ : إعراض العقل الديني إعراضاً عن جدلية الفكر و اللغة والتاريخ : و اعتماد مفهوم الجوهر الثابت .
يعمل أرغون إلى دفع مفهومه ” للعقل المنبثق المستقبلي ” في وجه القائلين بأنه يفرض على الإسلام و الفكر الإسلامي ما لا ينطبق عليهما من إشكاليات و منهجيات و مصطلحات و تأويلات خاصة بالفكر الغربي أو الأوربي . فالعقل المنبثق حسب أرغون هو عقل يملك الصفات التالية :
1- يصرح بمواقفه المعرفية و يطرحها للبحث و المناظرة .
2- أنه يحرّض على الشمولية و الإحاطة بجميع ما توفر من مصادر و وثائق و مناقشات .
3- يعتمد هذا العقل على نظرية التنازع بين التأويلات ، بدلاً من الدفاع عن طريقة واحدة في التأويل , و هذا المنهج ينقذنا من السياج الدوغمائي المغلق , و يحررنا من مبدأ ” الأمة الناجية ” و ” الأمم الهالكة “
4- العقل المنبثق عقل يستعصى على التأصيل , فكلما حاول أن يؤصل نظرية أو تأويلاً أو حكماً ، يكتشف أن الأصول تحيل إلى مقدمات و مسلمات تتطلب بدورها التأصيل .
5- يحذر العقل المنبثق الجديد من التورط مرة أخرى في بناء منظومه معرفية أصيلة أو مؤصلة للحقيقة , لأنها سوف تؤدي لا محالة إلى تشكيل سياج دوغمائي مغلق .
6- إنه عقل معقد , يعمل إلى إعادة البناء و الإصلاح من خلال التفكيك و التجول في فضاء البنيات المعرفية .
7- يعمل هذا العقل إلى التخلص من الجدالات الباطله المستمدة من البنيات العقائدية المورثة ، و الثنائيات المتناقضة المسيطرة على التفكير الأنطولوجي – اللاهوتي – المنطقي ، و على التفكير التاريخي المتعالي و اللاهوتي السياسي ” بمعنى السياسة الشرعية ” 
فشتان ما بين المشروع الاستقرائي الاستكشافي الحفري التقديري الانصافي المستنطق للمسكوت عنه و المزيل لأنواع التلبس و الحجاب , و بين الخطابات الإديولوجية الأصولية و العلمانوية و الشعوبية و القومية و الخصوصوية و الايمانوية و التاريخية و غيرها من البنيات الطاغية على جميع المجتمعات المعاصرة .
إن مشروع أرغون في إطار العقل المنبثق يمر عبر أَشْكَلًةِ . “problematisation” الأنظمة الفكرية المنتجة للمعنى , و من خلال هذه الأشكلة نميز بين المعنى و أثار المعنى , نميز بين 
-1-
الباحث التقليدي و الباحث الحديث .
إن الخطوة الأولى في عملية الأشكلة هي نزع القداسة عن مصطلحات معينة , و إعادة صياغتها لغوياً , لأن هذه المصطلحات مشحونة لاهوتياً إلى درجة يصعب استخدامها قبل تفكيكها، و يمكننا الوقوف عند أهم المصطلحات الجديدة التي يطرحها محمد أرغون
1 – الخطاب النبوي : و يقصد به القرآن ، ذلك أن هذا الخطاب يقيم فضاء من التواصل بين ثلاث أشخاص قواعدية : أي ضمير المتكلم الذي ألّف الخطاب المحفوظ في الكتاب السماوي و هو ” الله ” ، ثم الناقل بكل إخلاص و أمانه لهذا الخطاب و الذي يتلفظ به لأول مرة وهو ” النبي ” 
ثم ضمير المخاطب الثاني الذي يتوجه إليه الخطاب أي ” الناس ” و المقصود بالناس هنا الجماعة الأولى التي كانت تحيط بالنبي و التي سمعت القرآن من فمه لأول مرة .
2 – مرحلة النص القرآني المفتوح : و هي المرحلة الشفوية التي كان يتم فيها تداول القرآن شفوياً قبل تدوينه , و تشمل على مرحلتين 1- القرآن المكي 2 – القرآن المدني
3 – المدّونة الرسمية المغلقة : و هي النص الذي تم فرضه بشكل رسمي بعد موت النبي في عهد عثمان ، و تم فرضه من قبل الدولة الوليده لأنه اعتبر نهائياً فيما بعد ، و يقصد به ” المصحف ” 
4 – النصوص التأسيسية: و يقصد بها المصحف ” المدونة الرسمية المغلقه ” و كتب الأحاديث المجموعه .
5 – النصوص الثانوية : و تشمل كل النصوص الأخرى ، ما عدا القرآن و الحديث : كالتفسير و الفقه و علم الكلام و التصوف إلخ ….. و هي نصوص تعلّق على نصوص المؤسسة و تشرحها
6 – الوحدة النصية ” و هو مصطلح ألسني و لغوي يستخدمه أرغون بدل المصطلح المشحون لا هويتاً أي مصطلح سوره أو أيه ، فكل أيه هي عبارة عن وحدة نصية ، وكل سورة مشكلة من عدد يقل أو يكثر من الوحدات النصية أو اللغوية
7 – ظاهرة الوحي ” و هي وفق أرغون ظاهرة فينومينولوجيه مثلها مثل الظواهر الطبيعية ؛ كسقوط الأمطار أو هبوب الرياح الخ ……. و بالتالي فينبغي أن ندرس ظاهرة الوحي كما هي ، أي كما أثرت في ملاين البشر طيلة قرون عديدة ، و هي ظاهرة لا تقتصر على الوحي القرآني ، بل تتعداه إلى الوحي التوراتي و الوحي الإنجيلي ، و بالتالي فالكلام على الوحي القرآني باعتباره إستثناءً َ تاريخياً ، و الكلام عن عصور ما قبل الوحي المظلمة الجاهلية ، و عصور ما بعد الوحي الإسلامية كعصور هداية ، هذا التصنيف يصبح مثار تساؤل و عرضة للبحث . فأرغون يؤشكل الوحي ، بعد أن كان يبدو بديهياً أو تحصيل حاصل . يقدم عنه صورة جديدة تماماً وهذا معنى الأشكله ، و هناك مصطلح آخر ينبغي أن ننتبه إليه هو مصطلح الزحزحه deplacement ، فأرغون يزحزح أولاً المفهوم عن موقعة التقليدي الراسخ ثم يفككه ثانياً ، لكي يتجاوز معناه التقليدي الراسخ ثالثاً ” أي بصفة مرجعية اجبارية مشتركة لدى كل مجتمعات الكتاب المقدسة ” الكتاب العادي “
8 – الظاهرة القرآنية: حيث يستخدم هذا المصطلح و لم يستخدم مصطلح القرآن عن قصد ، لأن كلمة ” قرآن ” مثقلة بالشحنات و المضامين اللاهوتية , و بالتالي لا يمكن استخدامها كمصطلح فعال من أجل القيام بمراجعة نقدية جذرية للتراث الإسلامي , و هو يتحدث هنا عن ظاهرة ، كما يتحدث علماء البيولوجيا عن الظاهرة البيولوجية و علماء التاريخ عن الظاهرة التاريخية .
9 – الظاهرة الإسلامية : تشكلت هذه الظاهرة بعد حصول الظاهرة القرآنية و لكن الظاهرة الإسلامية ذاتها ما هي إلا عملية استملاك للقرآن المتلوّ و المقروء و المعاش بصفته نصاً رسمياً مغلقاً و ناجزاً بشكل نهائي ، فالظاهرة الإسلامية ليست مفصولة عن الظاهرة القرآنية ، ففي الظاهرة القرآنية : القرآن يقدم نفسه للإنسان في خطاب متلفظ به باللغة العربية ، أما الظاهرة 
الإسلامية فتهتم فقط بالجانب التقديسي من الظاهرة القرآنية لكي تستغله من أجل خلع التقديس و 
-2-
الرومانسية و التعالي و الأنطلوجيا و الأسطرة و الأدلجة على التركيبات العقائدية و كل القوانين التشريعية و الأخلاقية و الثقافية و كل أنظمة المشروعية التي أنشأها الفاعلون الاجتماعيون أي البشر . و هذه الظاهرة مثلها مثل الظاهرة المسيحية أو اليهودية أو البوذية …….. لا يمكن فصلها عن ممارسة السلطة السياسية ، و نقصد بذلك الدولة في كل تجلياتها التاريخية .
و أرغون يستخدم مصطلح الظاهرة القرآنية و الظاهرة الإسلامية لأنه يريد أن ينزل القداسة عن الثانية ، و كل منتجاتها التشريعية و الفقهية و السياسية ، و يريد أن يقول أنها عمل بشري عكس القرآن
10 – الأمة المفسِّره : و هي الأمة التي تفسر القرآن جيلاً بعد جيل ، و تعيش على هذا التفسير في كل جيل ، أي تشمل كل أعمال المؤمنين و تصرفاتهم و أفكارهم حيث يعتبرون القرآن بمثابة المرجعية المطلقة و الإجبارية التي ينبغي عليهم التقيد بها 
11 -الهوية الحديثة و الهوية الدينية : فالهوية الحديثة قائمة على تعاقد بين أفراد مجموعة بشرية معينة يتم من خلاله إنتاج السلطة ، و هي هوية نأخذ الواقع كمعطى ضمن شرط المصلحة المشتركة للمجموعة ، و هذه الهوية إحدى أهم المعطيات التاريخية في العصر الحديث ، و هي تتصارع مع الهوية الدينية على الامتياز التالي : قيادة الإنسان نحو جادة الحقيقة و الفلاح .
أما الهوية الدينية فهي تقوم على عقد الطاعة بين مجموعة بشرية ” الفئة الناجية ” و الإله الخاص بهذه المجموعة . أي أنها نتاج اللاهوتين في العصور الوسطى الذين يطلقون ، و يعملون على عقائد من نوع شعب الله المختار – لا خلاص خارج الكنيسة – الإسلام هو أخر نسخة عن الدين الحق ، أو أنه وحده المقبول من قبل الله و الملقن من قبل خاتم الأنبياء .
12 – مفهوم مجتمع الكتاب المقدس : إن مفهوم مجتمع ” الكتاب المقدس ” أكثر اتساعاً و تعقيداً من مفهوم ” أهل الكتاب ” المستخدم سابقاً من قبل القرآن . فهو يشمل المكونات أو العناصر المشتركة لدى المجتمعات اليهودية و المسيحية و الإسلامية و هذه المكونات أو الأفكار المشتركة هي التالية .
1- الاحاله المرجعية إلى كتاب سماوي موحى به أو ملهم من قبل إله متعال يتحدث إلى البشر 
2- إن الكتاب الموصى به على هذا النحو أصبح بالنسبة لجميع المؤمنين المصدر الأعلى لكل المعايير المثالية و المطلقة التي ينبغي أن تتحكم بالفكر و السلوك الروحي و الأخلاقي و السياسي .
3- إن تحديد هذه المعايير المثالية المطلقة ” أو بلورتها ” يتطلب تقنية معينة هي قراءة الكتابات المقدسة أو تفسيرها . وهذه التقنية التأويلية محصورة بالسلطات العقائدية المأذونة أو بالفقهاء حالياً 
13 – أثار المعنى : و يقصد أرغون بآثار المعنى الاستخدامات الإيديولوجية للمعنى ، و هي استخدامات لا مفر منها ، و ينبغي تفريقها عن المعنى . فالقرآن قدم معنى ما ، و هذا المعنى تعرض للاستخدامات الأيديولوجية أو اللاهوتية فكان أن نشأت المذاهب الإسلامية المختلفة فكل مذهب أوّله بطريقة ما ، و عن هذا التأويل تشكلت المذاهب 
14 – السياج الدوغمائي المغلق : و المقصود به العقلية الأرثوذكسية المسجونة داخل نظام عقائدي مغلق لا يناقش و لا يُمس 
15 – مسيري أمور التقديس ” و هو مصطلح من اختراع عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر ، و يقصد بهم رجال الدين باعتبار الدين ظاهرة سوسيولوجية أي منتشرة في الشعب و مهيمنة على عقله. 

والآن نصل إلى السؤال الجوهري في المشروع الأرغوني 
وهو نقرأ الخطاب النبوي “القران” اليوم ؟ !
للإجابة على هذا السؤال ” الأسئلة ” يقيم أرغون مقارنة بين 
-3-
القراءة الإيمانية التراثية الشائعة ، و بين القراءة العلمية التي يطمح إليها ، وهي قراءة متعددة المناهج 
1- قراءة تاريخية .
2- قراءة ألسنيه – سيمائية – أدبية
3- قراءة انثروبولوجية 
ومن ناحية منهجية يجب القول إن القراءة اللاهوتية – التفسيرية لا ينبغي أن تحصل إلا بعد إجراء القراءات الثلاث الأولى ، و إن كل قراءة من هذه القراءات تحتاج إلى تفصل خاص بها و وقفة متأنية معها . 
و لئن كان أرغون في كتابة هذا ” الفكر الأصولي و استحالة التأصيل ” يكتفي بالتنظير إلى هذه القراءات فإنه في كتابه الأخر ” القرآن من التفسير المورث إلى نقد الخطاب الديني ” يقدم لنا نماذج تطبيقية من خلال أربع أبحاث و هي على التتالي ” المكان المعرفية و الوظيفة المعيارية للوحي – موقف المشركين من ظاهرة الوحي – قراءة سورة الفاتحة – قراءة سورة الكهف ” 
إن مشروع محمد أرغون في نقده للفكر الإسلامي قد تعرض لسوء فهم واسع و تجاهل كبير من قبل المثقفين العرب و المستشرفين على حد سواء ، أما على المستوى الشعبي فنحن أمام مسافات فلكية من غير المحتمل اختزالها في المدى المنظور ، و ليست القراءة التعليقية الإستعراضية التي قمت بها لكتاب أرغون ” الفكر الأصولي و استحالة التأصيل ” سوى محاولة لتسليط الضوء على هذا المشروع ، و محاولة لإثارة جدل و حراك ما في الوسط الثقافي بشكل عام و الوسط الديني بشكل خاص . 
و أخيراً لا يسعني إلا أن أنقل لكم هذا المقطع من الكتاب لنتبين إلى أي درجة تعرض المشروع الأرغوني لسوء الفهم و المصادر ة ، و مجالات الأحكام المسبقة المغناطيسية .
” أريد أن أقول لكم ما يلي ، إني أطلب منكم لحظة صبر و تسامح ، لا تحكموا على الأمور قبل أن تعرفوا ، و لا تدينوا قبل أن تفهموا ، أتركوا لي الوقت الكافي لكي أعرض أمامكم رؤيا معينة للأشياء أو برامج عمل ، أو مسارات ، أو تفكيكات ، أو تركيبات . اتركوا الفرصة لكي تتفتح أمامنا أفاق للمعنى ، أفاق لا تؤدي إلى قطيعةٍ عنيفة ” ص 87 
و يعلق هاشم صالح على قول أرغون قائلاً ” بمعنى أن أرغون لا يريد أن يدمر الدين كما يفعل الملحدون و الوضعيون الماديون بشكل مطلق , و إنما يريد بعد نقد التراث الديني و تفكيكه أن يستوعب أفضل تعاليمه وجوهر رسالته و يطرح الباقي : أي القشور و القوالب الجامدة , إنه يرفض التعلق بالدين الإسلامي على الطريقة الإيديولوجية – التبجيلية الشائعة حالياً ، و يفضل عليها الطريقة النقدية و الفلسفية ” .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
الفكر الأصولي و استحالة التأصيل – 352 ص 
تأليف : محمد أرغون . ترجمة و تعليق : هاشم صالح 
دار الساقي – لندن ط 1 – 1999 

الحوار المتمدن / موقع الحداثة بتصرف

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى
Translate